قضايا وحوادث

طريق الخرطوم – مدني… نزيف يومي في غياب الصيانة _الحادث المأساوي بود الماجدي يعيد فتح ملف الإهمال

تقرير : المحور

فُجعت محلية الكاملين وأهل الجزيرة عامة بحادث مروري مروّع وقع أمس قرب قرية ود الماجدي على طريق الخرطوم – مدني. الحادث الذي نتج عن اصطدام بين بص سياحي وحافلة ركاب أودى بحياة خمسة عشر مواطناً في الحال، أغلبهم من أبناء المنطقة كانوا في طريق عودتهم إلى ديارهم. الحادثة أعادت إلى الواجهة ملف طريق الخرطوم – مدني، الذي تحوّل من شريان حيوي إلى طريق موت يحصد الأرواح بلا توقف.

بحسب شهود عيان، وقع التصادم نتيجة مناورة حادة قام بها أحد السائقين لتفادي حفرة عميقة في منتصف الطريق. ومع ضيق المسار وتآكل الأكتاف، لم يجد السائق متسعاً للعودة فاصطدم بالمركبة القادمة من الاتجاه المعاكس. المشهد تكرر عشرات المرات على الطريق نفسه، لكن فداحة الخسائر البشرية هذه المرة أعادت الغضب الشعبي إلى السطح.

طريق الخرطوم – مدني الذي يربط العاصمة بالجزيرة ويمتد إلى شرق السودان لم يشهد أي صيانة شاملة منذ أكثر من عشرين عاماً. الأسفلت تآكل تماماً في مقاطع واسعة، وتحوّل إلى شبكة من الحفر العميقة التي تجبر السائقين على السير عكس الاتجاه أحياناً أو الدخول في مسار واحد، ما يرفع احتمالات التصادم إلى الذروة.

في ظل هذا الغياب الرسمي بادر أهالي قرى مثل الكسمبر إلى ردم الحفر بجهود ذاتية. حملوا التراب والحجارة على نفقتهم الخاصة في محاولة يائسة لتقليل الخسائر. المبادرة تكشف حجم الوعي المجتمعي، لكنها في الوقت ذاته تفضح عمق التقصير المؤسسي.

نقاط التحصيل المنتشرة على طول الطريق تجبي مليارات الجنيهات يومياً تحت بند رسوم عبور وصيانة طرق. غير أن واقع الطريق يكذّب كل الإيصالات. لا صيانة، لا إنارة، لا علامات تحذيرية، ولا حتى دوريات مرور كافية. السؤال الذي يطرحه المواطن بمرارة: إذا كانت هذه الأموال لا تعود على الأسفلت، فأين تُصرف؟ غياب الشفافية حول أوجه إنفاق رسوم الطرق يفتح الباب واسعاً أمام اتهامات الإهمال وسوء الإدارة.

أهمية طريق الخرطوم – مدني تتجاوز كونه ممراً للمسافرين. هو الشريان الذي تنقل عبره الأدوية إلى مستشفيات الجزيرة، والمحاصيل إلى أسواق الخرطوم، والطلاب إلى جامعاتهم، والعمال إلى مصانعهم. تعثر الطريق يعني تعثر الاقتصاد، وتعثر الاقتصاد يعني مزيداً من الهشاشة الاجتماعية. استقرار الجزيرة هو استقرار للسودان، ولا استقرار مع طريق ينزف كل أسبوع.

الإيمان بالقضاء والقدر لا يعفي من الأخذ بالأسباب. كان الخليفة عمر بن الخطاب يخشى أن يُسأل عن دابة تعثرت لأنه لم يمهد لها الطريق. فكيف بمن يُسأل اليوم عن خمسة عشر نفساً أُزهقت لأن الطريق لم يُصان؟ القدر حق، والإهمال جريمة. والسكوت على الإهمال مشاركة فيه.

الحادث الأخير يضع السلطات أمام مسؤوليات لا تحتمل التأجيل. المطلوب فتح تحقيق شفاف في مصير رسوم العبور المحصلة خلال السنوات الماضية. والمطلوب إعلان خطة صيانة عاجلة للطريق تبدأ بالمناطق الأكثر خطورة، مع جدول زمني معلن. كما يجب نشر فرق طوارئ ودوريات مرورية على طول الطريق للحد من السرعة ومنع التجاوزات الخطرة. ويبقى إشراك المجتمع المحلي في الرقابة على التنفيذ ضرورة، باعتباره المتضرر الأول والمستفيد الأول.

رحم الله شهداء ود الماجدي، وألهم ذويهم الصبر. لكن دماءهم يجب ألا تذهب هدراً. يجب أن تكون الحادثة نقطة تحول، لا رقماً جديداً يُضاف إلى سجل الضحايا. طريق الخرطوم – مدني يجب أن يعود طريقاً للحياة، لأن التنمية الحقيقية لا تسير على أسفلت مثقوب، ولأن كرامة المواطن تبدأ من أمانه على الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى