منوعات

شموخ عمر تكتب : الذكاء الصناعي يغني سوداني الأغنية السودانية بين الجمال التقني وإشكالية الهوية

في الآونه الأخيرة ظهرت موجة لافتة من إعادة تقديم الأغاني السودانية القديمة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي هذه التجارب لم تكن مجرد نسخ حديثة بل جاءت محمّلة بتحسينات واضحة موسيقى أكثر صفاءا أصوات نقية ومخارج حروف دقيقة تسهل على المستمع العربي فهم الكلمات دون عناء ورغم أن اللكنة في كثير من الأحيان لم تكن سودانية خالصة إلا أن النتيجة بدت محببة ومقبولة لدى شريحة واسعة من الجمهور بل وأسهمت في إعادة تعريف الأذن العربية لهذا اللون الغنائي المميز.

هذا النجاح يفتح بابا مهما للنقاش هل كانت المشكلة يوما في السلم الخماسي الذي يميز الموسيقى السودانية؟ أم أن التحديات الحقيقية كانت في التوزيع الموسيقي ورداءة التسجيلات القديمة وضعف وضوح النطق في بعض الأعمال؟ يبدو أن هذه التجارب الحديثة ترجح الاحتمال الثاني فعندما أُعيد تقديم نفس الألحان بجودة تقنية أعلى وتوزيع أكثر حداثة ظهرت الأغاني بشكل مختلف تمامًا وأكثر قربا للمستمع المعاصر.

من السهل تفهم حالة الدهشة والإعجاب التي أحدثتها هذه الأعمال فهي تكشف جمالا كان موجودا بالفعل لكنه لم يقدم دائما بأفضل صورة ومع ذلك لا يمكن تجاهل الجانب السلبي الذي رافق هذه الظاهرة والمتمثل في نسب هذه الأعمال إلى جنسيات عربية أخرى كأن يقال إن فنانا لبنانيا يغني لعميد الفن السوداني أو فنانة مغربية تقدم أغنية سودانية في حين أن العمل في حقيقته مُولد أو معاد إنتاجه بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

هنا يبرز سؤال مهم هل هذا مجرد أسلوب تسويقي، أم أنه يعكس نوعًا من “عقدة النقص” لدى منتجي هذه الفيديوهات ؟ وهل الإبهار التقني يحتاج فعلًا إلى شيء من التضليل أو الغموض حتى ينجح؟ في كلتا الحالتين النتيجة مقلقة لأن الجمهور في كثير من الأحيان يتداول هذه الأعمال بثقة وفخر معتقدًا بصحتها مما قد يؤدي بدلًا من كسب الإعجاب إلى الوقوع في فخ السخرية أو فقدان المصداقية.

الأمر لا يتعلق فقط بالدقة بل بالهوية أيضًا. فالأغنية السودانية ليست مجرد لحن بل هي لهجة وثقافة وإحساس خاص. وعندما يتم فصل هذه العناصر عن سياقها أو إعادة تقديمها دون توضيح قد نفقد جزءا من روحها الأصليةحتى لو بدت جميلة تقنيا

في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض المستمعين باتوا أكثر وعيًا ولديهم القدرة على تمييز اللهجات واكتشاف الطابع الاصطناعي في الأداء لكن لا يزال الكثيرون يقعون في هذا “الفخ” خاصة مع تطور التقنيات التي تجعل التمييز أكثر صعوبة.

في النهاية يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي أتاح فرصة ذهبية لإحياء التراث السوداني وتقديمه بشكل يليق به عالميا لكن هذه الفرصة تحتاج إلى وعي ومسؤولية. فالتقنية وحدها لا تكفي الشفافية واحترام الهوية هما ما سيحددان ما إذا كانت هذه الموجة ستحسب كإنجاز ثقافي… أم كتشويه غير مقصود لذاكرة فنية عريقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى