
في زمن الأزمات الكبرى، تُختبر الدول لا ببياناتها، بل بمن تُسند إليه مهمة الإنقاذ حين ينفضّ الجميع. وولاية الجزيرة، قلب السودان النابض، كانت خلال العامين الماضيين نموذجًا صارخًا لولاية تُركت لتواجه أقدارها وحدها، فاختارت ألا تنكسر.
الأرقام الرسمية التي خرجت بها وزارة المالية تكشف مفارقة موجعة: إيرادات تتحسن، ونسبة تحصيل تصل إلى 72% في الربع الأول من 2026، ومشروعات بنية تحتية تُنفذ بأكثر من 63 مليار جنيه. لكن خلف هذه الأرقام تقف حقيقة مرة: المركز غائب، والتحويلات الاتحادية شحيحة، والدعم في قطاعات حيوية كالكهرباء يكاد يكون معدومًا. ولاية بحجم الجزيرة لم تتسلم محولًا واحدًا أو برميل زيت، بينما نُثرت على ولايات أخرى. فكان السؤال: من يدفع الفاتورة؟
الإجابة جاءت من داخل الولاية نفسها. من قرارات جريئة اتخذتها وزارة المالية بقيادة الأستاذ عاطف إبراهيم أبو شوك، الذي أدار الأزمة بعقلية رجل دولة لا موظف خزينة. ففي اللحظة التي كان يمكن أن تنهار فيها منظومة المرتبات، تدخلت الولاية لتمويل عجز تعويضات العاملين بملياري جنيه شهريًا من مواردها الذاتية. وفي الوقت الذي تآكلت فيه خدمات المياه والكهرباء، توسعت الولاية في مشروعات الطاقة الشمسية وحفر الآبار، لا انتظارًا لمنحة، بل استجابةً لنداء الناس.
إن ما يفعله أبو شوك وفريقه ليس مجرد “إدارة مالية”، بل هو “هندسة صمود”. فالرجل فهم مبكرًا أن المركز المشغول بملفاته السيادية لن يلتفت إلى جراح الأطراف، فقرر أن يُحوّل المحنة إلى فرصة. أدخل التحصيل الإلكتروني ليقلل الفاقد، ومنح المحليات 100% من إيراداتها لتتحمل مسؤولية التسيير، فكسر بذلك حلقة المركزية العقيمة التي كبّلت التنمية لعقود. نعم، صاحب القرار احتجاجات وتحديات، لكنه كان ثمنًا ضروريًا للخروج من عنق الزجاجة.
الجزيرة اليوم تُعيد تطبيع الحياة بجهود ذاتية خالصة. المدارس تُفتح، المشافي تعمل، الأسواق تتحرك، والمشروعات تُنفذ. وكل هذا يتم ووزير ماليتها يحمل عبء ولاية كاملة على كتفيه، يسد فجوة التمويل، ويُفاوض المقاولين، ويُطمئن العاملين، ويُخطط للمستقبل في آن واحد. هذه ليست عبقرية محاسب، بل بصيرة قائد أدرك أن انهيار الجزيرة يعني انهيار سلة غذاء السودان.
لكن البطولة الفردية لا تصنع دولة. إن استمرار إهمال المركز للجزيرة هو مقامرة بمستقبل الإقليم الأوسط كله. فلا يعقل أن تُطالب ولاية بتحمل كلفة الحرب، وإعادة الإعمار، ودفع المرتبات، ثم تُحرم من أبسط مقومات الدعم الفيدرالي. العدالة المالية ليست منّة، بل حق. واللامركزية لا تعني “تدبّروا أمركم”، بل تعني “نُقاسمكم المسؤولية والموارد”.
ما فعله عاطف أبو شوك يجب أن يُدرّس كنموذج في إدارة الأزمات تحت النار. لكن الدرس الأكبر يجب أن يصل للخرطوم: الجزيرة لم تسقط لأن فيها رجالًا رفضوا السقوط. لكن كم من ولاية أخرى لا تملك “عاطف أبو شوك”؟ وكم يمكن لولاية واحدة أن تصمد وحدها قبل أن تنهكها الفاتورة؟
التاريخ لن يذكر من تخلى، بل سيذكر من صمد. والجزيرة اليوم تكتب فصلها بيديها، وبحبر من عرق وزرائها، ودمع أمهاتها، وصبر مزارعيها. فهل من مُنصف في المركز يقرأ؟




