مقالات

رمضان محجوب… يكتب : ​ذهب الأرض وعرق الرجال..!!

​■ تبرز زيارة قيادة بنك أمدرمان الوطني لأسواق التعدين بنهر النيل كخطوة استراتيجية جريئة لكسر الجمود المصرفي التقليدي؛ فالانتقال من المكاتب المكيفة إلى هجير الجبال يعكس وعياً بضرورة مطاردة الكتلة النقدية التي تُقدر بمليارات الجنيهات في منبعها الأصلي وتجفيف منابع السيولة خارج المظلة الرسمية. ويمثل الحراك اعترافاً مهنياً بثقل المعدنين في رفد الخزينة، وهي (شطارة) مصرفية تهدف لدمج اقتصاد الظل في الدورة الرسمية.
​■ بعيداً عن بروتوكولات اللقاءات الرسمية المعتادة، تظل المعضلة الحقيقية في بطء الإجراءات العقيمة التي منعت دخول المعدن البسيط للمصارف لسنوات، ويبقى تدشين تطبيقات رقمية مثل “أوكاش” هو الحل الأمثل لتقليل الاعتماد على السيولة الورقية التي باتت عبئاً أمنياً. التحدي يكمن في بناء الثقة لدى “المعدن الصغير” لضمان ألا يرتد بمدخراته إلى (الخزنة) التقليدية في منزله خوفاً من تعقيدات السحب.
​■ بانتقاله لتمويل أنظمة الطاقة الشمسية في مناطق التعدين الوعرة، يضرب بنك أمدرمان عصفورين بحجر واحد؛ فهو يقلل تكلفة الإنتاج ويحمي المعدن من (الجرجرة) خلف أزمات الوقود المتقلبة. اقتصادياً، ترفع هذه الخطوة القيمة المضافة وتجعل التعدين نشاطاً صديقاً للبيئة يقلل الانبعاثات الكربونية، وهو استثمار ذكي في البنية التحتية يضمن استمرار دوران الطواحين دون توقف قسري لأسباب لوجستية أو ندرة في المحروقات.
​■ بالشراكة الاستراتيجية التي تمت مع مالية ولاية نهر النيل، وضع البنك ملف التحول الرقمي في (المحك) الحقيقي والمباشر أمام مواطني الولاية؛ فإنفاذ برنامج “إيصالي” يتطلب بنية اتصالات قوية تضمن تدفق البيانات المالية بدقة وسرعة. ومع ذلك، فالتنمية الاقتصادية لا تكتمل بصرف الرواتب إلكترونياً فقط، بل بمد المظلة المصرفية لتصل إلى أبعد (خلا) يتواجد فيه منتج يحتاج للأمان والتمويل الرقمي المعاصر.
​■ وحملت زيارة وفد البنك لمحلية أبوحمد وتفقد “الطواحين” رسالة تطمين قوية للمستثمرين؛ فالمنطقة قلب نابض يساهم بنسبة كبرى من إنتاج الذهب القومي، ووجود نافذة مصرفية مرنة يعكس فهماً لطبيعة النشاط التعديني المكثف. البنك هنا يتخلى عن ثوب الموظف ليرتدي ثوب الشريك الذي يفتح أبوابه حين يحتاجه المنتج، وهي سياسة تسويقية (ناجحة) تضمن تقليل مخاطر التهريب وضياع موارد الدولة في قنوات غير رسمية.
​■ وبزيارة مصانع البوهيات والدواجن الوطنية، تؤكد إدارة البنك سياسة تنويع المخاطر وعدم الارتهان لقطاع التعدين وحده؛ فإذا كان الذهب بريقه خاطف، فإن الإنتاج الغذائي والصناعي هو صمام الأمان لمجابهة الغلاء. دعم اليد التي تنتج يتطلب تمويلاً مرناً يتجاوز عقبات (الربحية) السريعة والضيقة، مع ضرورة تفعيل المسؤولية المجتمعية للبنك في حماية البيئة المحيطة من مخلفات التصنيع الكيميائية وآثار التعدين الجانبية.
​■ احتفاء أسرة المجاذيب العريقة بالدامر بوفد البنك جاء ليعكس البعد الاجتماعي العميق للمؤسسة المصرفية؛ ففي السودان تظل الروابط الأهلية هي (المفتاح) السحري والضمانة الأقوى لنجاح أي مشروع استثماري. والاحتفاء بالقيادة في منزل عريق يمنح البنك صكاً شعبياً من الثقة التي لا تُشترى بالمال، وهي الروح التي تحرك الودائع وتجذب صغار وكبار المستثمرين الذين يبحثون دائماً عن بيئة يسودها التقدير والضمانات.
​■ الحلول الجذرية التي طرحها البنك لتمويل الإنتاج يجب أن تقترن بتثقيف مالي حقيقي للمعدنين حول كيفية إدارة الثروة وتطويرها. إن تحويل المعدن من مجرد باحث عن الرزق اليومي إلى مستثمر يمتلك حساباً بنكياً وتاريخاً ائتمانياً هو الطفرة النوعية التي ننتظرها، ولعمري إن نجاح المصرف يبدأ من نجاح أصغر منتج في (الخلاوي) البعيدة والجبال النائية، مما يتطلب نفساً طويلاً في المتابعة والتنفيذ الميداني.
​■ وتقتضي متطلبات التحوط من المخاطر التشغيلية هنا ضرورة تفعيل رقابة صارمة على “آلية المتابعة المشتركة”، لضمان معالجة آثار استخدام “الزئبق” الصحية وحماية حقوق المعدنين الكادحين الذين يواجهون مخاطر مهنية جسيمة. هؤلاء يحتاجون لتسهيلات (حقيقية) في القروض والتمويل الأصغر تلامس واقعهم الصعب؛ فالنجاح لا ينبغي أن يقاس بمقدار الأرباح البنكية فحسب، بل بمقدار ما تستفيد منه الأرض والإنسان من هذه الشراكات.
​■ عموماً،… جاء حصاد الزيارة مثمراً وملهماً، شريطة ألا تذوب الوعود في زحام التفاصيل الإدارية المنهكة التي تعيدنا للمربع الأول. ولاية نهر النيل قادرة على قيادة قاطرة الاقتصاد الوطني إذا ما استمر هذا الحراك الميداني بنفس القوة والشفافية، فالمسؤولية كبيرة بقدر تطلعات أهل الولاية الذين استبشروا خيراً بهذا الانفتاح المصرفي، والمطلوب الآن هو العمل بعيداً عن (الفَتور) لتنزيل هذه المخرجات واقعاً يمشي بين الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى