
لم تعد المأساة في السودان مجرد حربٍ على الأرض، بل تحوّلت – في أخطر تجلياتها – إلى حربٍ على الإنسان ذاته.
حرب تُعاد فيها صياغةالمعايير، فيُصبح الموقع الجغرافي قرينة إدانة، وتُختزل المجتمعات في توصيفاتٍ فضفاضة مثل “الحواضن”، لتُستخدم لاحقًا كمبرر لقتل الأبرياء.
هذه ليست انزلاقات فردية، بل منهج يتشكل.
حين يُذبح المدني، أو يُستهدف لأنه يعيش في منطقة ما، أو يُعاقَب لأنه لم يغادر أرضه، فنحن لا نتحدث عن تجاوزات، بل عن سياسة غير معلنة للعقاب الجماعي.
والعقاب الجماعي – سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا – جريمة مكتملة الأركان.
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط اتساع دائرة العنف، بل محاولات منحه غطاءً سياسيًا وخطابًا تبريريًا.
يُعاد تعريف الضحية باعتبارها جزءًا من المشكلة، ويُعاد إنتاج الجلاد كفاعلٍ مبرَّر، في انقلابٍ خطير على كل القيم التي يفترض أن تضبط الحروب.
أي منطق هذا الذي يجعل من القرى أهدافًا، ومن الأسواق ساحات حرب، ومن المدنيين “رسائل ضغط”؟
وأي دولة يمكن أن تقوم على فكرة أن الإنسان يُحاسَب لأنه وُجد في المكان الخطأ؟
إن الاستمرار في هذا النهج لا يعني فقط سقوط الضحايا، بل يعني تفكيك ما تبقى من مفهوم الدولة نفسها.
الدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها – أو الأسوأ، تُشرعن استهدافهم – تفقد مبرر وجودها السياسي والأخلاقي.
لا يمكن القبول بأن تتحول “الحواضن” إلى ذريعة مفتوحة للقتل.
ولا يمكن التسامح مع خطاب يُطبع مع الذبح، أو يبرر استهداف المدنيين تحت أي لافتة.
فهذا الطريق، إن استمر، لن يُنتج نصرًا لأي طرف، بل سيُنتج وطنًا بلا مجتمع، وخريطة بلا بشر.
إن ما يحدث يضع جميع الفاعلين – بلا استثناء – أمام مسؤولية تاريخية مباشرة:
إما الانحياز الصريح لحماية المدنيين، أو التورط – بالفعل أو بالصمت – في واحدة من أبشع صور الانتهاكات الجماعية.
كما أن المجتمع الدولي، الذي اكتفى طويلًا بلغة القلق، بات مطالبًا اليوم بما هو أبعد من البيانات:
آليات حماية حقيقية، مساءلة واضحة، وعدم الإفلات من العقاب.
فالتاريخ لا يرحم من يرى المجازر ويكتفي بالمشاهدة.
إن رفض الذبح ليس موقفًا عاطفيًا، بل موقف سياسي وأخلاقي وقانوني.
والمطالبة بحماية المدنيين ليست حيادًا، بل انحيازٌ صريحٌ لفكرة الدولة ولحق الإنسان في الحياة.
في لحظات الانهيار الكبرى، لا تُقاس المواقف بحدتها، بل بوضوحها.
وهنا الموقف واضح:
لا لذبح المدنيين.
لا لمعاقبة الناس بجغرافيتهم أو انتماءاتهم المفترضة.
ولا شرعية لأي قوة تجعل من الإنسان هدفًا.
لأن اللحظة التي يصبح فيها الإنسان تهمة…
هي اللحظة التي يسقط فيها كل شيء



