
يا سيادة الرائد،
الكاكي الذي ترتديه لم يُصنع ليكون منبراً للشتائم، والتاج الذي على كتفك لم يُوضع لتُهان به كرامات الناس. القوات المسلحة التي نحترمها ونُجلها بُنيت على عقيدة الانضباط، وعلى أن سلاح الجندي الأخير هو أخلاقه. فإن سقطت الأخلاق، فما قيمة البندقية؟
اطلعنا على ما تكتبه في حق الشيخ الأمين عمر الأمين، وهو رجل شهدت له أم درمان يوم تخلّى عنها كثيرون. يوم كانت المدينة تُحاصر، وكان الماء يُشترى بالدم، كان الشيخ الأمين يفتح داره ويطعم جائعه ويسقي عطشانه. لم يسأل الناس عن لونهم ولا قبيلتهم. كان يرى في كل جائع أخاه، وفي كل نازح أمانة. هذا تاريخ لا يُلغى بمنشور، ولا يُشطب بتهكم.
قد تختلف مع الرجل، والخلاف حق لا يُصادر. لكن بين النقد الذي يُبصّر، والإساءة التي تُجرّح، خندق عميق. النقد يطلب الحقيقة، والشتيمة تطلب التشفي. النقد يُخاطب الفعل، والإساءة تستهدف العرض. وما قرأناه لا يمت للنقد بصلة، بل هو خروج على أدب الخلاف، وعلى أخلاق الجندية التي تقول: “احترم الكبير، ووقّر من خدم الناس”.
ثم إن تعليمات رئاسة الأركان كانت صريحة: لا خوض في الميديا بما يمس وحدة الصف أو يسيء للآخرين. هذه التعليمات لم توضع عبثاً، بل وُضعت لتحمي المؤسسة من أن تتحول صفحات منسوبيها إلى ساحات تصفية حسابات. المؤسسة التي حاسبت غيرك بالأمس، لا يمكن أن يُفهم صمتها اليوم إلا أنه اختبار لك قبل غيرك. فإما أن تلتزم، وإما أن تُحسب على من “أمن العقاب فأساء الأدب”. وفي الحالتين، الخاسر هو هيبة التاج الذي تحمله، وهيبة المؤسسة التي تنتمي إليها.
يا سيادة الرائد،
الشيخ الأمين ليس فوق النقد، لكنه بكل يقين فوق الشتم. وإكرامه هو إكرام لكل من وقف مع المواطن والجندي في يوم كريهة. فإن كان لك رأي فقل به بأدب، وإن كان لك دليل فاذهب به إلى حيث تُحفظ الحقوق ولا تُهتك الأعراض. أما لغة “البيتو من قزاز” و”صاحبك الكان مصاحبك”، فهي لغة لا تليق بضابط، ولا تُقنع قارئاً، ولا تبني وطناً.
تذكّر أن الحرب علّمتنا درساً واحداً: أننا نحتاج بعضنا. الجندي يحتاج الشيخ، والشيخ يحتاج الجندي، والمواطن يحتاج الاثنين معاً. فلا تهدموا بأيديكم ما بناه الدم والتضحية. ولا تجعلوا من صفحاتكم خنجراً في خاصرة الوحدة الوطنية التي نقاتل من أجلها.
القوات المسلحة أكبر من الأشخاص، وأرفع من أن تكون طرفاً في معارك جانبية. والشيخ الأمين أكبر من أن تنال منه كلمة. لكننا نكتب لأن السكوت على الإساءة يصنع لها شرعية، ولأن هيبة الكاكي تُصان بالانضباط لا بالصوت العالي.
فاختر لنفسك مقاماً: إما أن تكون جندياً يُشار إليه بالبنان أدباً والتزاماً، وإما أن تكون عابراً في دفاتر المؤسسة يُذكر كلما ذُكر الانفلات.
أما نحن، فسنظل نحترم الكاكي، ونحفظ للشيخ الأمين قدره، ونقول للجميع: معركة الكرامة لا تقل شرفاً عن معركة الميدان.




