الاقتصادية

استبدال العملة في الجزيرة.. “ملحمة وطنية” أم “سباق مع الزمن”؟

تقرير : معاوية السقا

في مكتبٍ وثير بمدني، وبين فنجان قهوة وتقارير مصفوفة، أعلنها والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير داوية: “استبدال العملة ملحمة وطنية لحماية الاقتصاد السوداني”. التوصيف ضخم، والمصطلح مُحمّل بالبارود. فالملاحم عادةً تُخاض بالسيوف، وتُكتب بالدم، وتُنقش على جدران التاريخ. لكن هذه المرة، الملحمة تُخاض بـ”الشباك”، وسلاحها “إيصال توريد”، وميدانها 61 مصرفاً وبعض “المراكز الجوالة” التي تطارد المواطن في أطراف الولاية.

الاجتماع كان صباحاً، والوجوه جادة، والقرارات حاسمة. الأستاذ مجدي البخيت مدير بنك السودان بالولاية أعلنها بلا مواربة: فئة الألف والخمسمائة جنيه ستتحول إلى “ورق ساي” بعد 15 مايو. يعني بعد أسبوعين، إن كنت تملك منها كوماً، فأنت تملك كومة ذكريات. وإن لم تودعها، فالقانون لا يحمي “المتأخرين”، ولا يعترف بـ”النسيان”، ولا يرحم “البعيدين من الشبكة”.

الوالي وجّه بتكثيف الحملات الإعلامية. يريدها “هبّة” شعبية، و”نفرة” وطنية، و”معركة” اقتصادية. يريد للمواطن في “أم عضام” و”ود رعية” و”طابت” أن يعرف أن ورقته فئة الألف ستصير بلا قيمة، وأن “المراكز الجوالة” قادمة إليه كـ”الفزع”. التوصيف جميل، والحماس مقدر. لكن السؤال الذي يطرق باب المزارع هناك: هل المركز الجوال سيصله قبل يوم 15 مايو، أم سيصله بعد أن تتحول قروشه إلى “ورق جرايد”؟

في الجزيرة، النقد ليس رفاهية، هو أسلوب حياة. المزارع يبيع محصوله نقداً، ويشتري تقاويه نقداً، ويدفع أجرة الحاصدة نقداً. البنوك بالنسبة له “ديوان الحكومة”، بعيد، وزحمة، وصفوف. والآن يُطلب منه أن يحمل “شوالات القروش” ويقف في الصف ليودعها، في بلد الشبكة فيه تأتي بالصدفة، والكهرباء ضيف ثقيل، والمواصلات رحلة عذاب. “غير مبرئة للذمة” عبارة قانونية أنيقة، لكن ترجمتها في سوق “أم سنط” تعني: “قروشك بقت حبر على ورق”. والمواطن الذي خبأ ألفين جنيه تحت المخدة لعلاج ولده، أو لزواج بته، سيجد نفسه أمام خيارين: إما أن يلحق الصف، أو يلحق الحسرة.

الولاية مترامية، والقرى مبعثرة، والطرق في الخريف حكاية أخرى. 61 مصرفاً رقم قد يبدو كبيراً في الخرطوم، لكنه في الجزيرة نقطة في بحر المشروع. والمراكز الجوالة فكرة ذكية، لكنها تحتاج بنزين، وشبكة، وكهرباء، وموظف لا يهرب مع أول “سحابة”. فإن تعطلت واحدة من هذه، تعطلت “الملحمة” كلها. والسؤال الأخطر: هل الجهاز المصرفي مستعد لهذه “الهجمة”؟ هل السيولة متوفرة للسحب بعد الإيداع؟ أم سيودع المواطن قروشه ويُقال له “تعال بعدين”؟ فالتجربة علمتنا أن “الإيداع ساهل، والمرقة صعبة”.

لا أحد يختلف أن استبدال العملة ضرورة لضرب التزوير، ولملاحقة الكتلة النقدية الهاربة، ولإعادة الثقة بالنظام المصرفي. هذه معركة دولة، وليست معركة بنك. لكن الملاحم لا تُخاض بالنوايا الحسنة وحدها. تُخاض بالتخطيط، وبالزمن الكافي، وبشبكة تصل قبل القرار. تسميتها “ملحمة وطنية” يفرض على الدولة أن تخوضها بعقلية الملحمة: استنفار شامل، وتسهيلات استثنائية، ومراكز في كل قرية، وزمن ممدد حتى يصل آخر مزارع في آخر كنبو. أما أن نضغط الزمن في أسبوعين، ونترك المواطن لرحمة “المركز الجوال”، فهذه ليست ملحمة.. هذه مقامرة.

الاقتصاد يُحمى بالثقة قبل القرارات. والمواطن الذي يشعر أن الدولة تطارده لتنزع قروشه، لن يقاتل في ملحمتها. بل سيختبئ، وسيخزن، وسيعود إلى “الكاش” تحت الأرض، بعيداً عن البنوك والشبابيك. فإذا أرادها الوالي ملحمةً حقاً، فليعطها شروط الملحمة: زمناً، وعدلاً، وشبكةً لا تقطع. أما إذا بقيت “اسبوعين وبس”، فستتحول الملحمة إلى “مأساة”، بطلها مزارع وقف أمام شباك مغلق، وفي يده ألف جنيه.. لم تعد تساوي الحبر الذي كُتبت به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى