
في قاعة وزارة المالية بمدني، حيث تتصادم أوراق الموازنات مع أحلام الناس، وقف الأستاذ عاطف محمد إبراهيم أبو شوك. لم يكن يلقي خطاباً تقليدياً عن أرقام وإيرادات. كان يرسم.
رسم خارطة لم تكن على الورق، بل في وجدان ولاية أنهكتها الحرب، وسرقت منها سنابلها، وجففت ترعها. قالها واضحة: “نهدف للوصول لاستثمارات ناجحة وإظهار الفرص الحقيقية لجذب المستثمرين”. جملة بسيطة، لكنها في زمن الخراب تعني الكثير. تعني أننا قررنا أن ننزع ثوب “المتسول” ونرتدي ثوب “العرض”.
ما الذي يحتاجه المستثمر في السودان اليوم؟ ليس الأرض فقط. الأرض موجودة في الجزيرة بوفرة. ولا الماء فقط. الماء يجري في القنوات منذ مائة عام. ما يحتاجه هو “الأمان”. أمان القانون، وأمان الإجراء، وأمان الغد.
هنا كان ذكاء أبو شوك. لم يتحدث عن “الميناء الأخضر” كحلم معلق، بل وضع له ثلاثة أعمدة قبل أن يوضع حجر الأساس. أولها منصة إلكترونية أعلن عنها مفوض الاستثمار أمير هارون، قطعت الطريق على “السمسرة” وعلى ملفات تائهة بين المكاتب. فالشفافية لم تعد شعاراً، صارت زراً تضغطه. وثانيها محكمة خاصة ووكيل نيابة للاستثمار، وهي الثورة الحقيقية. لعقود كان المستثمر يخاف من “القضية” أكثر من الخسارة. اليوم نقول له: لك قاضٍ يفهمك، وقانون يحميك، وزمن لا يضيع. وثالثها كتيب لكل محلية بجهد د. عمران عباس. لم نعد نبيع “الجزيرة” ككتلة واحدة. بعنا أم القرى كصناعة، والمناقل كقطن، والحصاحيصا كصناعات غذائية. تحولنا من العشوائية إلى العلم.
لم ينسَ الرجل ما تهدم. تحدث عن تأهيل المسالخ والمحاجر وإنشاء المنطقة الحرة. كأنه يقول: “سنرمم القديم قبل أن نبني الجديد”. وهذه حكمة من لا يريد أن يكرر أخطاء الماضي. فلا فائدة من مدينة صناعية جديدة إن كانت مواشينا تذبح في العراء.
إعلان “الميناء الأخضر” بأم القرى و3 صوامع للغلال ليس مجرد إسمنت. هو إعلان نية. نية أن نكف عن تصدير الخام الرخيص، وأن نبدأ بتصدير القيمة. أن يخرج القطن من الجزيرة قميصاً لا بالة، وأن تخرج الذرة زيتاً لا جوالاً.
هل ستنجح الخطة؟ السؤال ليس لعاطف أبو شوك وحده. السؤال لنا جميعاً. التمويل سيأتي إذا صدقنا. والأمن سيأتي إذا تماسكنا. والمستثمر سيأتي إذا رأى في عيوننا إصراراً لا خطابة.
أبو شوك فتح الباب. وضع الخارطة على الطاولة وقال للعالم: “تعالوا، هذه أرضنا، وهذه قوانيننا، وهذه فرصتكم”.
يبقى علينا أن نثبت أن الجزيرة التي أطعمت السودان يوماً، قادرة أن تطعمه وتكسوه وتصدر له اليوم.
فشكراً لمن حول الأزمة إلى خارطة.. والخارطة إلى أمل.



