
لم يكن اجتماع الإثنين 5 أكتوبر بمقر الاتحاد بالخرطوم اجتماعاً عادياً. كان بيان دولة. حين عقدت لجنة المنتخبات الوطنية اجتماعها برئاسة الدكتور أسامة عطا المنان وحضور كامل الأعضاء، كانت تدرك أنها تجتمع تحت ضغط حملة استهداف غير مبررة، لكنها اختارت الرد الأبلغ: العمل من الخرطوم، والقرارات لا التصريحات.
الاستثمار في الذهب
الإشادة بمنتخب تحت 20 سنة بعد تتويجه بسيكافا وتأكيد استمرار جهازه الفني، مع وضع خطة إعداد لأمم أفريقيا، هو تأكيد على فلسفة مهمة: السودان لا يبني منتخباً للمباراة القادمة، بل يبني جيلاً للعشر سنوات القادمة. هذا هو التخطيط المؤسسي، لا إدارة القطعة.
جرأة الإحلال 30%
هذا هو القرار الثوري الحقيقي. إقرار إحلال وابدال 30% من قوام المنتخب الأول مع الحفاظ على الخبرة، هو تنفيذ عملي للوعد الذي قطعه أسامة عطا المنان في حواره مع “المحور”. إنه يعترف بوجود خلل، لكنه يعالجه بجراحة دقيقة لا بذبح المنتخب. 30% نسبة علمية، تعني ضخ دماء شابة دون هدم الهيكل. هذا هو الفرق بين الناقد الذي يهدم على فيسبوك، والمسؤول الذي يبني على طاولة القرار.
عقلان يلتقيان.. أوروبا ومازدا
تجمع محترفي أوروبا، وتعيين الخبير محمد عبد الله مازدا مستشاراً فنياً، هما وجهان لعملة واحدة: الانفتاح والعودة للجذور.
تجمع المحترفين يعني أن السودان أصبح يفكر بعقلية المنتخبات الكبرى، يستقطب أبناءه من المهجر، ويرفع سقف الطموح. ومازدا هو صمام الأمان الوطني، هو الذاكرة الفنية، هو الرجل الذي قاد المنتخب للتأهل لأمم أفريقيا بعد غياب 30 عاماً. وجوده كمستشار يمنح خطة الـ 30% شرعية فنية وتاريخية، ويقول للشارع: الخبرة الوطنية في قلب المشروع.
الانضباط والشفافية
تحديد وفد خارجي برئاسة رئيس اللجنة نفسه وعضوية الشاذلي عبد المجيد والغالي كوسي ومازن أبوسن، وتكليف الشاذلي بالتواصل الإعلامي، هما قراران لضبط إيقاع العمل الخارجي والداخلي. لا مزيد من التسريبات، لا مزيد من الفوضى. عمل مؤسسي منظم.
رسالة السيادة
توجيه الشكر للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ليس بروتوكولاً. هو تذكير بأن ما يحدث من تطبيع للحياة الكروية في الخرطوم، ومن إقامة اجتماعات داخل مقر الاتحاد، ما كان ليكون لولا دعم القيادة واستتباب الأمن بفضل القوات المسلحة. الكرة هنا تمارس دورها السيادي.
الخلاصة:
لجنة المنتخبات لم ترد على منتقديها بكلمات، ردت بثمانية قرارات متكاملة: تشيد بالبطل، تعد للمستقبل، تثور على الحاضر، تستقطب المحترف، تستعين بالخبير، تنظم الوفد، تتواصل بشفافية، وتشكر من دعم الدولة.
هذا هو الفرق بين من يدير منتخباً بلا وطن وبلا دوري وبلا ملاعب ويحقق الإعجاز في السعودية، وبين من ينتقد من مقاعد المتفرجين.
ما حدث في الخرطوم يوم الإثنين لم يكن اجتماعاً.. كان إعلان عودة.




