
*▪️ بداية.. كيف كانت بداية رحلتك مع الحرب في تلك الأيام؟*
= قضيت *38 يوماً صعبة* مع لجنة الطوارئ بجامعة أفريقيا خارج سياق الحياة المألوفة تماماً. بدأت الحكاية بجحيم لا يوصف، حيث خرجت من دائرته إلى فضاء من الخيال القاسي.
في تلك الأيام، كانت الجامعة تدار بجهود استثنائية من نائب المدير الأستاذ مرتضى، في ظل ظروف بالغة التعقيد.
كانت المهمة الوطنية الأولى هي تأمين إجلاء حوالي *5000 طالب أجنبي*، من ماليزيا وإندونيسيا إلى نيجيريا وتشاد وجنوب إفريقيا، وصولاً إلى أكثر من 63 دولة، بالإضافة إلى مئات الطلاب السودانيين الذين تشتتوا في أصقاع الأرض. كانت رحلة أشبه بالمستحيل.
*▪️ ما هي التحديات التي واجهتكم في إدارة أزمة إجلاء الطلاب؟*
= واجهنا تحديات وجودية لتوفير الرجال وتأمين خروج آلاف الطلاب الأجانب. لم تكن المهمة يسيرة بأي حال، فقد واجهنا عقبات لوجستية وأمنية جسيمة في توفير الكوادر وضمان مسارات آمنة في بيئة تموج بالاضطراب.
كان همي الأول هو رفع الروح المعنوية للطلاب، لا سيما الطالبات اللواتي واجهن ظروفاً نفسية واجتماعية بالغة القسوة، في ظل بداية شرارة الحرب التي تزامنت مع استحكام قوات الدعم السريع في معظم المواقع الحيوية.
*▪️ كيف تصف الأجواء العامة في بداية تلك المحنة العصيبة؟*
= كانت الأجواء تمطر ناراً مع هجرة الطير والإنسان وسط خوف. كانت السماء تمطر رعباً، حيث كان الطيران الحربي يضرب تارة، بينما تتحرك القوات المسلحة على الأرض تارة أخرى لصد الهجوم.
في تلك الأجواء، كان يأتينا بعض الفدائيين يتقاذفون معنا الكلمات والمواقف حتى لا تُكسر عزيمتنا، وأذكر منهم *المرحوم محمد الفضل*؛ كنت أتعجب حقاً من قدرته على التواجد في تلك الظروف والمخاطر.
تلك الأيام الـ 38 كانت بمثابة سنوات من العمر انصرمت في لحظات من الخوف المطبق.
*▪️ صف لنا رحلة الخروج القسرية وكيف كان الاستقبال في شندي؟*
= *خرجنا بوجع كبير* واستقبلتنا أسرة عبد الكريم بكل كرم وتضحية. كان لزاماً علينا أن نواجه مصيرنا معاً.
بعد انقضاء 38 يوماً، كان الوجع قد وصل ذروته؛ فقدنا أهلنا وأقاربنا، نهبت منازلنا، وصدرت الأوامر بالمغادرة القسرية. توجهت نحو مدينة شندي في رحلة شاقة عبر طريق خاص ومحفوف بالمخاطر.
كان الاستقبال في شندي درساً في الكرم السوداني الأصيل؛ فقد استقبلتنا أسرة عبد الكريم السيد، التي ضربت مثالاً في التضحية، إذ كانوا يستقبلون في شهر رمضان المبارك أكثر من 30 شخصاً يومياً.
*▪️ كيف تقيم صمود المؤسسة العسكرية في ظل هذه الظروف؟*
= حييت صمود *الرئيس البرهان ورجال الملحمة* رغم التحديات البنيوية الكبيرة. كنت أعرف طبيعة الجيش جيداً، فالمقاتلون كانوا قلة، بينما ضمت صفوفه طواقم الدعم.
لا يسعني إلا أن أحي أولئك الذين صمدوا مع الرئيس البرهان؛ فأنا أحسبه رجلاً ذا شجاعة. رغم التحديات البنيوية، ظلت الروح القتالية هي الحصن الأخير الذي منع انهيار الدولة في اللحظات الحاسمة.
*▪️ لماذا لم تكن العودة للخرطوم ممكنة خلال فترة إقامتك بشندي؟*
= تعقدت العودة وأدركت أن مظاهر الدولة تلاشت من العاصمة تماماً. قضيت في منزل عبد الكريم حوالي ثلاثة أشهر وكأننا أسرة واحدة.
عندما خرجت من الخرطوم، لم أجد ولم أرَ مظهراً من مظاهر الدولة إلا في تلك المناطق الآمنة، وهو ما عز قناعتي بخطورة هذا الشتات المسلح الذي أحدث شرخاً عميقاً في وجدان الأمة.
*▪️ هل كانت هناك فرصة فعلية لقوات التمرد للسيطرة على شندي؟*
= نعم، *كان لديهم غفلة عن الحامية* ولو تحركوا لتغير المشهد. أكبر خطأ ارتكبه هذا الشتات المسلح هو عدم استلامه لمدينة شندي.
لو نجحوا في ذلك، لاستطاعوا الوصول إلى كوبري مروي، ولكان كل السودان قد سقط في قبضتهم. الله سلّم بفضل حكمة أهل المنطقة وتماسك الحاميات العسكرية.
*▪️ ما هي حكمة إبعاد التمرد عن مناطق الآثار والمصورات؟*
= تجنبنا حرباً وجودية ضد السكان في مناطق لا يمكن إخراجهم منها.
الدعم السريع كان يطمع في الاستحكام بمناطق الآثار بجبالها وقراها التاريخية في المصورات.
*لولا حكمة البروفيسور جعفر ميرغني* الذي تواصل مع رئيس الدولة ووزير الدفاع لتحذيرهم من أن دخول هذا الشتات لهذه المنطقة سيعني حرباً وجودية، لكانت كارثة. لا توجد قوة يمكنها إخراجهم من تلك التحصينات.
*▪️ هل شعرت بتقدم عمرك خلال تلك الأيام القليلة من الحرب؟*
= نعم. *الحرب أضافت إلى عمري سنوات من الشيخوخة القسرية* نتيجة انعدام القرار والمعلومات والاتصال، وغياب الكهرباء والمياه.
كانت الغربة الحقيقية هي انعدام القرار. أوضاع الجيش كانت صعبة للغاية، وكأنه يدافع عن بقائه النفسي والعسكري.
*▪️ كيف كانت تفاصيل الرحلة من إثيوبيا وصولاً إلى بلفاست؟*
= انتقلت بضغط أسرتي عبر إثيوبيا والعمرة وصولاً إلى بلفاست لاحقاً. ذهبت إلى إثيوبيا برفقة ابني الذي عاد من دبلن لمرافقتي أنا وزوجتي.
كانت الرحلة مزيجاً من الألم والترقب، ثم أدينا العمرة، قبل أن نتوجه إلى حيث تستقر الأسرة في بلفاست، حيث يعمل ابني وزوج ابنتي في سلك الطب.
*▪️ ما هي طبيعة استقبالك في لندن وتكيفك مع الحياة الغربية؟*
= استقبلني *الدكتور بكري عثمان سعيد* وحاولت التأقلم مع الحياة التي أعرفها قديماً.
في لندن، استعدت ذكرياتي كطالب وباحث في ليستر عام 1973، حيث ألفت وكتبت عدة كتب طُبعت هناك. كانت لندن بوابة للذاكرة، قارنت فيها بين سودان الأمس وسودان اليوم الذي تمزقه الحروب.
*▪️ هل وجدت اختلافاً بين شتاتك كشاب وشيخوخة الغربة الحالية؟*
= الحياة الغربية منظمة، لكنني اليوم أعيش مرحلة عمرية وتجربة مختلفة. كنت حينها شاباً مفعماً بالحيوية، واليوم أنا في مرحلة عمرية مختلفة.
الفارق كبير بين غربة الشاب الباحث عن المعرفة وغربة الشيخ الباحث عن بقايا وطن.
*▪️ لماذا استقر بك المقام في مدينة برمنجهام تحديداً؟*
= لأنها توفر ملاذاً روحياً بوجود أكثر من *400 مسجد* ووجود سوداني كثيف يقدر بحوالي *23000 سوداني*.
هذا الحضور جعل الحياة أقل وطأة، وأتاح لنا فرصة للتواصل المستمر والاطمئنان على أحوال الأهل في الداخل والخارج.




