
باتت أحياء كاملة في مناطق أم درمان القديمة وغربها وشمالها، تتزود بالمياه من النيل مباشرة دون أي احترازات صحية، بسبب انقطاع الماء وتوقف الإمداد من محطات المعالجة والتحلية الرئيسية لمدة أسبوعين متواصلين.
وعادت مشاهد نقل المياه بعربات تقليدية تجرها الحمير “الكارو” إلى منطقة الموردة، حيث يعبئ أصحابها براميل المياه من النيل مباشرة، قبل التوجه بها للأحياء السكنية والمحال التجارية والأسواق لبيعها، وسط مخاوف من انتشار الأمراض والأوبئة، جراء استخدام المياه غير المعالجة في الطعام والشراب.
توقف محطات المعالجة والتحلية لمدة أسبوعين كشف حجم الهشاشة في شبكة المياه بأم درمان. الاعتماد الكلي على عدد محدود من المحطات المركزية جعل أي عطل في الكهرباء أو نقص في الوقود يتحول فوراً إلى أزمة إنسانية تضرب مئات الآلاف. ومع تزايد أعداد النازحين للمدينة بسبب الحرب، تضاعف الضغط على الشبكة المتهالكة أصلاً.
عودة “الكارو” لنقل مياه النيل الخام تعني عودة المدينة عقوداً للوراء. المياه التي تُعبأ مباشرة من النيل وتحمل بالبراميل لا تخضع لأي معالجة أو تعقيم، ما يفتح الباب واسعاً أمام أمراض الكوليرا والإسهالات المائية والتيفوئيد والبلهارسيا، خاصة مع استخدامها في إعداد الطعام والشراب داخل المنازل والمطاعم. غياب الرقابة الصحية على هذه المصادر البديلة يزيد من خطورة الوضع.
اقتصادياً، خلقت الأزمة سوقاً موازية للمياه. ارتفع سعر برميل الماء، وتحولت “الكارو” إلى مصدر دخل لمواطنين فقدوا أعمالهم، لكن على حساب الصحة العامة. وفي ظل استمرار الانقطاع مع دخول فصل الخريف، تتزايد المخاوف من موجة أوبئة يصعب السيطرة عليها، ومن انهيار ثقة المواطنين في قدرة الدولة على توفير أبسط الخدمات الأساسية.
لمواجهة الكارثة المحتملة تحتاج أم درمان لتدخل عاجل يتمثل في إعادة تشغيل جزئي للمحطات حتى بجدولة ضخ، وتوزيع مواد تعقيم وكلور على الأحياء المتأثرة، وإطلاق حملات توعية مكثفة حول ضرورة غلي المياه وتخزينها، إلى جانب تدخل المنظمات الإنسانية بتوفير صهاريج مياه معالجة في النقاط الأكثر تضرراً.
الخلاصة أن مشهد الكارو في الموردة ليس حنيناً للماضي، بل إنذار. أسبوعان من العطش دفعا المواطنين للاختيار بين العطش والمرض. ومع استمرار الأزمة، فإن الخطر الصحي القادم قد يكون أكبر من أزمة المياه نفسها.




