
حين تتكسر المراكب في عرض البحر، لا يسأل الركاب عن اسم الربان بقدر ما يسألون عن يده.. هل هي ثابتة؟ وهل عينه على الشاطئ؟
وهكذا كانت الجزيرة حين استقبلت *الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير* والياً. جاء والولاية بين عودةٍ شاقة ونزوحٍ موجع، بين مشروعٍ عطشان وبنيةٍ أنهكها الغياب. لم يكن أمامه زمن للخطب، ولا رفاهية للانتظار. كان أمامه شعب يريد أن يرى أثراً قبل أن يسمع وعداً.
فاختار الطاهر أن يبدأ من حيث يبدأ الوجع. نزل إلى المحليات لا كزائر بروتوكولي، بل كرجل يفتش عن تفاصيل الحياة. جلس مع العائدين تحت شجر اللالوب، وسأل المزارع عن الموية قبل أن يسأله عن الإنتاج، ووقف على بوابات المستشفيات يسمع أنين المريض قبل أن يقرأ التقرير.
أدرك أن الحكم في هذا الزمن ليس ترف إدارة، بل هو *حملٌ ثقيل* لا ينهض به إلا من جعل المواطن غايته لا وسيلته.
في تجربته رأينا لغة مختلفة. تواضعٌ لا يهزم، وحزمٌ لا يقسو. كان يمشي في الأسواق فيسمع، وفي المدارس فيراقب، وفي الطرقات فيصلح. لم يعدنا بمدن فاضلة في يوم وليلة، ولكنه منحنا ما هو أثمن: *الإحساس بأن هناك من يحمل الهم معنا*.
لم يبع السراب، ولم يتاجر بالأزمات. كان واضحاً أن الرجل يؤمن أن إعادة إعمار الجزيرة تبدأ بإعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وأن أول لبنة في البناء هي أن يشعر الناس أن صوتهم مسموع.
نعم، الطريق لا يزال طويلاً. والتحديات التي تواجه الجزيرة أكبر من أن يختزلها بيان أو يمحوها شهر. مشروع يحتاج حياة، وصحة تحتاج دواء، وتعليم يحتاج طباشير وأمل. ولكن في خضم كل هذا، ما الذي نحتاجه من الوالي؟ نحتاجه صادقاً، حاضراً، لا يهرب من المسؤولية. وهذا ما لمسناه.
لذلك نكتب اليوم لا من باب المديح، ولا من باب المجاملة. نكتب من باب *المسؤولية*.
نحن داعمون لتجربة *الطاهر إبراهيم الخير*، لأننا رأينا فيها نية خالصة، وخطى ثابتة، ورجلاً اختار أن يكون خادماً في زمنٍ كثر فيه المتفرجون والمزايدون.
الجزيرة تستحق من يفهم نبضها. تستحق من يعرف أن ترابها ليس طيناً، بل ذاكرة وتاريخ. والطاهر الخير يبدو كمن فهم هذا الدرس جيداً.
نسأل الله له السداد، ولأهل الجزيرة الأمن والاستقرار والعمار. فالوطن لا ينهض بالأفراد، ولكن ينهض حين نلتف حول من صدق معنا في أحلك الظروف.




