
▪️ليست كل الكراسي تبحث عن من يجلس عليها، بعضها يبحث عمن يحملها. وصندوق دعم الأنشطة الرياضية لم يكن يبحث عن مدير، بل عن رجل يملك الجرأة ليفتح نوافذه في عز العاصفة. تعيين برقو لم يكن مكافأة، كان رهاناً. رهان على أن بعض الرجال لا تظهر معادنهم إلا حين تشتد النار.
▪️الصندوق كان مريضاً، والمرض إذا طال صار موتاً. ملفات نامت في الأدراج حتى نسيت أسماءها، وميزانيات تقلصت حتى صارت ظلاً باهتاً لما كانت عليه. في زمن تتجمد فيه الملاعب وتُقفل فيه الصالات، يصبح بقاء المؤسسات على قيد التنفس إنجازاً. لكن التنفس وحده لا يكفي. كان لا بد من يدٍ تهز الجسد المُخدر، وقلبٍ يؤمن أن الإنعاش ممكن ولو بنبضة واحدة. الآن تحديداً، لأن كل يوم تأخير يعني جيلاً آخر يضيع بين ركام الحرب وفراغ الملاعب.
▪️برقو يملك ثلاثة مفاتيح جعلته خيار المرحلة. المفتاح الأول هو مفتاح القرار. الرجل ليس ممن يختبئون خلف اللجان والاجتماعات. تاريخه يقول إنه يدخل الغرف المغلقة ويخرج منها بقرار. في زمن الأزمات، التردد ترف لا يملكه أحد. الصندوق اليوم لا يحتاج من يدرس الخيارات، بل من يختار ويتحمل. يحتاج رجلاً يعرف أن بعض الجراح لا تُشفى بالمسكنات، بل بالمشرط. المفتاح الثاني هو مفتاح الناس. برقو يملك دفتر هواتف لا تملكه المؤسسات. علاقات بناها في سنوات الرخاء والشدة، مع رجال أعمال ومستثمرين وعاشقين للرياضة. هذه الشبكة هي رأس ماله الحقيقي الآن. فحين تعجز خزينة الدولة، تتحرك خزائن الثقة. وحين تصمت البنوك، تتكلم الشراكات. أما المفتاح الثالث فهو مفتاح فهم الوجع. برقو أدار كرة القدم وهي تنزف. يعرف معنى أن توقف دورياً، وأن تخسر جيلاً، وأن ترى الموهبة تموت قبل أن تولد. هذا الفهم يجعله يدرك أن المواطن لا ينتظر خطة خمسية، بل ينتظر كشافاً واحداً يُضاء في ملعب حيّه. يدرك أن الإنجاز الصغير الآن، أثمن من المشروع العملاق بعد فوات الأوان.
▪️لكن الكرسي الذي جلس عليه برقو ليس وثيراً. تحته نار، وأمامه جدار. نار التمويل الشحيح الذي لا يبني غرفة، فكيف يبني صالة؟ وجدار إرث ثقيل من تعثر ومشروعات ميتة إن نبشها أوجعته وإن تركها قتلته. وفوق هذا كله، جدار آخر من الشك: شك من يراه رجل صراعات لا رجل بناء. هذا الامتحان لا يُجاب عليه بالكلام، بل بالحجر الأول الذي يُوضع في أساس جديد.
▪️يقول الحكماء: “في زمن الهدم، من يفكر في البناء إما مجنون أو نبي”. برقو اختار أن يفكر في البناء. اختار أن يراهن على أن الملاعب أهم من الكؤوس حين تكون البلاد جريحة. وأن الأكاديمية التي تُنشأ اليوم، قد تخرّج غداً الطبيب والمهندس قبل أن تخرج اللاعب. تعيين برقو ليس بداية حكاية، بل بداية اختبار. اختبار لفكرة أن الرياضة يمكن أن تكون فعل مقاومة، وأن البنية التحتية يمكن أن تكون سلاحاً ضد اليأس. نجاحه لن يُقاس بالتصريحات، بل بالغبار الذي تثيره الجرافات. وفشله، لا قدر الله، لن يكون فشله وحده، بل فشلنا جميعاً في أن نصدق أن النهوض ممكن.




