
في أزقة ود مدني العتيقة، حيث للظلال حكاياتٌ لا تُروى إلا همساً، كنتُ طفلاً أتسلل مع أقراني إلى مجالس لا يطؤها إلا من مسّه الفضول أو مسّه “الريح”. هناك، في بيتٍ تتصاعد منه غيوم البخور وتتماوج فيه دقات الدلوكة كأنها نبضٌ لقلبٍ خفي، تجلس “الكودية” ملكةً على عرشٍ من الطبول، وحولها نسوةٌ ينتظرن هبوط الغيب.
يبدأ الإيقاع وئيداً، كخطوة أولى في دروب المجهول. تتمايل المريضة، عيناها مغمضتان، وجسدها يبحث عن “خيتها” بين طبقات الصوت. وما إن تشتد الدقات حتى تتسع الحلقة، ويعلو النحيب والصراخ، وتتهاوى الأجساد كأن أرواحاً قديمة استعارتها للحظة. حينها فقط تبدأ الكودية حوارها مع القادم من خلف الحجاب، تسأله عن اسمه، عن قبيلته، عن قربانه.
ذلك المشهد لم يغادر ذاكرتي. بل أيقظ فيّ ظمأً للبحث عن العوالم التي تسكن الهامش، وتكتب سطرها السري تحت جلد المجتمع. أنفقتُ سنواتٍ أقتفي أثر “الريح الأحمر” في دروب الحكايات، وأصغي لهمس الشيوخ، وأجلس إلى من مسّهم ذلك الطيف. فما الزار إلا تماسةٌ بين الجسد واللاوعي، بين ما نعرفه وما نخشاه.
*شعرةٌ بين المسّ والطب*
يقول الشيوخ: “جانّ الريح عاشقٌ، لا يبرح الجسد إلا محروقاً”. لذا كان العلاج تلاوةً تلهب أركانه: البقرة، الصافات، الدخان، الجن، وآيات العذاب. فهو ليس فرداً، بل جماعةٌ تتنزل، تفرض طبعها، تحزن لحزن المتلبس، وتثأر له. ومريض الزار كطفلٍ شفيف، تُرضيه اللمسة وتجرحه الكلمة.
*99 قبيلةً من الغيب*
وللريح الأحمر تسعٌ وتسعون قبيلة، لكلٍ سلوكٌ ومزاج. فمن “الأحباش” يطلّ “ملليك”، سلطانٌ يمنح صاحبته مهابةً وشهوةً للذهب. ويليه “بشير لومي” بطربوشه الأحمر وصفرته العامرة: حمامٌ مشوي، جبنةٌ مضفرة، زيتون، ساردين. وله خيطٌ يذيبه طرباً:
_وا لومي أنا وا لومي… دا الشرابو سجار يا بشير لومي._
وله أربع بنات، أشهرهن “اللولية”. لا تسكن إلا الفاتنات. تجعل من صاحبتها نجمةً تمشي على الأرض، تعشق الأحمر الصارخ، والخلخال، والسوميت، والودع. روحها بهجة، وطعامها جاولي وحمام وشية، وبخورها صندلية. وحين يُنادى: _اللول اللول يا لولية…_ تحضر السيدة على الفور.
أما “الأشراف” فطقسهم أقرب للذكر، ببياضٍ ناصع ومديحٍ هادئ، يتوسلون بالبدوي والجيلاني. و”الخواجات” كـ إينجل وأملاي، يمنحون الأميّة لساناً إنجليزياً فصيحاً، ويحبون الأسود والبرنيطة والكدوس، وقلة الكلام وكبرياء النظرة.
وثمة “حلاوة بيه” عاشق الأطفال والحلوى، و”التربي” الذي يميت الجسد حتى يُحفر له قبر، و”نمر الكندو” الشرس، ينام نهاراً ويسهر ليلاً، شرس الطباع سريع العض. وفي قبيلة “الزرق” يسكن “ود بندا” آكل اللحوم النيئة، سفيه الريح الذي يهين صاحبته، و”شاكر حلال المشاكل” أشرسهم، عدوّ الزوج، يحضر السبت ببخور السعدة ويطلب أم فتفت والمرارة.
كلهم يسكنون الجسد، لكن الأقوى هو من يسبق. والزار الحرّ هو الذي “يجهجه” صاحبته حتى تستغيث. أما كشف الحقيقة الكاملة فيكون في طقس “فتح الحلبة” العجيب… وذلك حديث الحلقة القادمة، فابقَ معي.



