مقالات

*لصوص_الوطن.. إسحق أحمد فضل الله يروي تفاصيل بداية ملفات الفساد من أيام هجليج.. طالع عامود اخر الليل

ونعبر بنادي الرياضة العسكرية وهناك نستعيد مشهد أحد العسكريين الكبار وهو يدعو المواطن ناصر الطيب ويلقاه خارج النادي ليسأله في فزع: بالله .. بالله .. يا أستاذ .. فلان وفلان ديل .. مدانين في ملفاتكم دي؟ وكان يشير إلى اثنين من كبار الشخصيات. قال ناصر: “مدان” كلمة يقولها القاضي، أما الملفات عندنا فهي تقول إن فلان هذا والآخر كلاهما غارق.

والحكاية تبدأ أيام معركة هجليج التي تصحبها عملية نهب ضخمة جداً. ومواطنون لا سلطان عند واحد منهم كانوا هم الذين يكشفون ما يجري. والكشف هذا يصبح بداية لسلسلة ضخمة من ملفات الفساد هي ما يجري الآن. والملفات ما يميزها هو أنها لا ترفع من أحد وتكشف أن رؤوساً كبيرة سوف يكشف عنها قريباً هي التي تقود كل شيء.

وناصر الطيب وحماد ومصعب ابن شقيق الرئيس البشير وعمر عبد الفتاح شقيق سيد الشهداء المحدثين علي عبد الفتاح ورتبة اسمه محمد عثمان وشخصيات كانت تلاحظ وتحسب وتجمع ثم تدخل على الرئيس. والرئيس منذ أيام هجليج يقول للمجموعة هذه انطلقوا. وشخصية ضخمة تقسم علينا العام الأسبق ألا نذكرها بخير ولا بشر كانت المجموعة تلتقي في مكتبها.

ونوع غريب من الخناجر تجده المجموعة هذه في بحثها عن الإجابة للسؤال الوحيد: من أين تنزف الدولة. والإجابات كان بعضها يأتي بمشهد المرحوم عبد الوهاب عثمان وزير المالية الذي ينقذ السودان ثم يفاجأ بثقب ينحدر منه الجنيه فجأة والدولار يطير صاعداً. ويبحث ويجد أن نافذين هم الذين في عراكهم الشخصي معه يفعلون هذا. المرحوم عبد الوهاب يومها يغلق باب مكتبه ويبكي وصديق من أصدقائه يفاجئه. والحادثة لها أخوات وبنين وحفدة. رجال من الوطني يفعلون ويفعلون واللجنة تطوي أصبعاً وتحسب وتحسب دون أن يشعر أحد بوجودها.

وحجم ما تصل إليه المجموعة تكشفه حكاية صغيرة، فالرئيس البشير حين ينظر للركام أمامه وينظر إلى التأكيد الذي تقدمه مجموعة تدرس الملفات هذه، الرئيس يبدأ المهمة بتقديم حافز ضخم للمجموعة. وناصر يرفض، وحماد يكتفي بطلب وظيفة قال إنه عاطل وعنده بنات ويرفض الحافز. وشقيق الشهيد علي عبد الفتاح الذي ما زال يسكن مع والدته يرفض الحافز وابن شقيق الرئيس يرفض وكلهم رفضوا. لكن الأمر كان يبدأ من هناك.

واللجان الأربع التي تنطلق الآن تعتقل وتحاكم وتنبش كانت ترسم خطواتها واحدة. وما يجري اليوم هو بعض التنفيذ. والجواذب لا تنتهي ففي كل يوم تقفز الثعابين من الجحور تدافع عن نفسها. ونستطيع أن نقول إن مليارات قدمت لشراء ملفات معينة، مليارات، لكن لا بيع.

والحكايات الكبيرة توجزها حكاية صغيرة فأحد قادة الدولة نفاجأ بحكاية عنه تقع قبل شهور قليلة. الرجل الكبير كان يتلفت يبحث عمن يستدين منه أربعة ملايين جنيه طلبها الولد الذي يدرس في الخارج. كبار في الوطني وفي غيرها من أهل السلطة هناك إذن يفعلون ما يفعلون. وكبار في الوطني هنا يفعلون ما يفعلون. ومواطنون في الجلابيب يعجزهم إيجار بيت لأولادهم يرفضون الملايين حلالاً حافزاً ويرفضون المليارات حراماً رشوة.

والبعض ما زال يشتمنا بأننا لصوص. الساخطون لهم العذر فالجائع يشتم ويلطم. والسؤال عن أين كانت الأجهزة الأمنية حتى يتطوع مواطنون بالعمل نيابة عنها سؤال نجيب عليه في وقته. والسؤال عن لماذا بقي المفسدون منذ أيام هجليج وحتى اليوم سؤال يجاب عليه في وقته. العمل الآن يجري بدقة.

لكن علينا أن نتذكر أن الاتحاد السوفيتي يسقط لأنه منشغل بتشييد المصانع والأسلحة كان ينسى أن السلاح الأعظم هو الرغيف. والدولة الآن لا بد لها من شيء ولو أن تستعير رغيف الجيران نأكله ثم نرده إليهم. وهذا نكتبه عام 2018. نكتبه عن المؤتمر الوطني الذي يضرب بتهمة أنه حزب اللصوص، والوطني ضربه كان هو الخطوة الأولى في إبادة السودان. الآن هذه الأيام يجري تنفيذ الخطوة النهائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى