
وعلى حد قولي:
الأبيضُ اليومَ سِفرُ المجدِ إن كُتبتْ فيها المواقفُ فالتاريخُ يعتذرُ
ما لانَ جيشٌ حمى الأوطانَ من محنةٍ ولا استكانَ إذا ما أرجفَ الخطرُ
فيها الهجانةُ أمُّ الريشِ شامخةٌ كأنها السيفُ لا يثنيهِ مُنحدرُ
ومن أرادَ لها تهويلاً يُروّعُها عادَ الخزيُ فيه وانهدَّ له الأثرُ
ليست البيانات التي تصدر من بعض دوائر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بشأن مدينة الأبيض سوى وجهٍ آخر من وجوه الحرب السياسية والنفسية، بل هي في حقيقتها بروبقندا مرسومة بعناية لخدمة مليشيا الدعم السريع المتمردة وكفيلهم محمد بن زايد، وتمنحها ما عجزت عن انتزاعه في الميدان عبر محاولة انتزاعه بالتهويل الإعلامي والتخويف المنظم. حين تُصاغ التعميمات بلغة الإخلاء والإنذار، ويُراد للمواطن أن يترك أرضه، وللجيش أن يتراجع عن واجبه، فإن الرسالة هنا لا تحمل حرصاً إنسانياً بريئاً، بقدر ما تحمل انحيازاً مكشوفاً لمشروع الفوضى الذي ترعاه المليشيا ومن يقف خلفها إقليمياً.
الحديث عن الأبيض ليس حديثاً عن مدينة عابرة في جغرافيا الحرب، بل عن مدينة ذات رمزية وطنية وتاريخ عسكري واجتماعي متين. الأبيض ليست فراغاً أمنياً، وليست مدينة قابلة للارتجاف عند أول تهديد، لأنها ببساطة تملك جبهة داخلية متماسكة، ويملك إنسانها وعياً كافياً لتمييز الحرب النفسية من الحقيقة الميدانية. أهل الأبيض وشمال كردفان يدركون أن المعركة لم تعد فقط في محيط السلاح، بل في ميدان الكلمة والشائعة والإرجاف، ولذلك فإن صلابة المجتمع هناك تمثل الساتر الأول قبل المتاريس.
ومن يعرف الأبيض يعرف أن أهلها لا يساومون في الأرض والعِرض، ولا يمنحون الخونة موطئ قدم بين صفوفهم. ولهذا ظلت المدينة عصيّة على الاختراق من الداخل، لأن نسيجها الاجتماعي منحازٌ بطبعه إلى الدولة، وإلى قواتها المسلحة، وإلى المعنى الكبير للوطن حين يُستباح. لم تُعرف الأبيض بأنها حاضنة للعمالة، ولا مرتعاً للمتعاونين، بل عُرفت برجالها ونسائها الذين يقفون عند الشدة صفاً واحداً، يسندون جيشهم ويعضدون مؤسساتهم، ويعرفون أن سقوط المدينة لا يعني مجرد خسارة جغرافيا، بل محاولة لكسر إرادة السودان نفسه.
وفي الأبيض تقف الهجانة أم ريش، لا كقوة عسكرية فحسب، بل كرمز من رموز الوجدان الوطني السوداني، وركن أصيل من أركان ذاكرة الجيش وتاريخه. هذه المدينة التي لم تسقط في ذروة بطش مليشيا آل دقلو الإرهابية، يوم كانت المليشيا في أوج سطوتها وانتشارها وتسليحها، كيف يُتصور أن تسقط اليوم والمليشيا نفسها تتفكك، وتتراجع، وتترنح تحت ضربات القوات المسلحة وتحت انكشاف مشروعها الإجرامي أمام الناس؟!
إن من يراهن على إسقاط الأبيض عبر الشاشات والبيانات إنما يراهن على سراب، لأن المدينة التي صمدت في وجه النار، لن تهزمها منشورات التخويف ولا تقارير الترويع.
إن الحملة على الأبيض اليوم هي محاولة لصناعة مناخ نفسي مهزوم قبل وقوع أي حدث، وهي وصفة قديمة تقوم على إنهاك المدنيين بالرعب، ودفعهم إلى الشك في قدرة الجيش، وبث الإحساس بأن المدينة على وشك الانهيار. غير أن هذه المحاولة ستفشل، لأن الأبيض لا تُقرأ بعين المكاتب الباردة في الخارج، بل تُقرأ من قلب أسواقها وأحيائها وفرسانها ومقاتليها، ومن وفاء أهلها للتراب الذي نشأوا عليه. أهل الأبيض ليسوا جمهوراً مذعوراً ينتظر التعليمات من الخارج، بل شعبٌ يعرف طريقه، ويدرك عدوه، ويعرف من يقف معه ومن يتاجر بدمه.
أما أولئك الذين يسعون إلى إسقاط الأبيض إعلامياً، وتقديمها للرأي العام كمدينة خائفة أو منهكة أو قابلة للانكسار، فعليهم أن يتهيأوا لخزيٍ سياسي وأخلاقي سيلاحقهم طويلاً. لأن الكذب مهما انتفخ، لا يستطيع أن يحجب حقيقة المدن الأصيلة، ولا أن يطمس بطولة الرجال الذين جعلوا من الموت في سبيل الوطن شرفاً لا يُدانى. سيبقى العار ملتصقاً بمن خدموا رواية المليشيا، ومن سوّقوا الهزيمة باسم التحذير، ومن استثمروا في الرعب أملاً في إسقاط ما لم تسقطه البنادق.
ستظل الأبيض صامدة كما كانت، وسيظل شمال كردفان عصياً على الكسر، وستبقى الهجانة أم ريش عنواناً للعنفوان لا يُمحى، وسيظل الجندي السوداني واقفاً في خندقه، ثابت القلب، واضح البوصلة، لا يبدل عهده ولا يبيع ترابه. هذه معركة وطن، والوطن لا يحرسه المترددون، بل يحرسه الذين إذا نادى المنادي لبّوا، وإذا اشتد الخطب صبروا، وإذا حاول المرجفون النيل من عزيمتهم ازدادوا يقيناً بأن السودان أكبر من المؤامرة، وأبقى من المليشيا، وأعز من كل بروبقندا مدفوعة الثمن.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة.




