مقالات

معاوية السقا يكتب: عطبرة.. حين تتحول غرفة البصات إلى دولة داخل الميناء البري

لم يعد تغول غرفة البصات السفرية بمدينة عطبرة على صلاحيات إدارة الميناء البري مجرد تجاوز إداري عابر، بل صار احتلالاً مقنعاً لسلطة الدولة في واحد من أهم مفاصل المدينة العمالية. ما يجري اليوم داخل ميناء عطبرة البري ليس تنظيماً لحركة السفر، بل فرضاً لأمر واقع تقوده مجموعة لا تفرق بين حقها في الدفاع عن مصالحها وحقها في مصادرة القانون.

الغرفة التي يفترض أن تكون صوت السائقين ووسيطاً بينهم وبين الدولة، تحولت إلى سلطة موازية تمارس سياسة “لي الذراع” بامتياز. تعطل البصات السفرية بالساعات تحت حجج واهية، لا لشيء إلا لإثبات أنها هي من يملك مفتاح الحركة لا إدارة الميناء. تفرض رسوماً خارج إطار القانون واللوائح المعتمدة، رسوماً تُجبى في الظل ولا تدخل خزينة الدولة، وكأن الميناء البري قد صار ملكية خاصة تُورث. والأخطر أنها تدير عمليات الشحن خارج أسوار الميناء، في الشوارع والميادين، متحدية كل قرارات التنظيم والسلامة، ومحولة وجه عطبرة الحضاري إلى سوق عشوائي يخنق الحركة ويهدد أرواح المسافرين.

هذا السلوك ليس دفاعاً عن الرزق، بل هو فوضى مقننة. فوضى يراد لها أن تكون القاعدة، حتى إذا حاولت الدولة بسط يدها وجدت أمامها جداراً من العصيان والابتزاز. والغرفة تدرك تماماً أنها حين تعطل بصاً واحداً، فإنها لا تعاقب السائق فقط، بل تعاقب المريض الذاهب للعلاج، والطالب المتجه للامتحان، والتاجر الذي يعتمد على زمن وصول بضاعته. إنها تعاقب عطبرة كلها.

في المقابل، تقف إدارة الميناء البري موقفاً يحسب لها. تحاول بكل ما تملك من أدوات محدودة أن تبسط الانضباط، وأن تفرض قواعد الأمن والسلامة، وأن تعيد للميناء هيبته كمرفق سيادي لا كساحة مزاد. تبذل جهوداً حقيقية لتنظيم حركة الدخول والخروج، لحصر الرسوم في القنوات الرسمية، ولإنهاء مظاهر الشحن العشوائي التي حولت أطراف المدينة إلى غابة. لكن كل خطوة للإدارة تقابلها الغرفة بخطوتين للوراء، كأن المطلوب ليس الإصلاح، بل إفشال أي محاولة تثبت أن الدولة قادرة على الإدارة دون وصاية من أحد.

ما تفعله غرفة البصات اليوم هو تجاوز خطير لحدود المهنة. النقابة تدافع عن العامل، أما أن تتحول إلى سلطة جباية وتشريع وعقاب، فهذا خروج صريح عن الدور. القانون واضح: الميناء البري مؤسسة حكومية تديرها الدولة عبر إدارتها المختصة، والرسوم تحددها اللوائح لا المزاج، والشحن لا يتم إلا داخل الحرم المخصص لضمان الأمن والسلامة وحقوق المسافر.

عطبرة التي علمت السودان معنى الانضباط والعمل المؤسسي لا تستحق أن يختطف قرارها بيد مجموعة ترى في الفوضى مصدر قوتها. وإذا استمر صمت الجهات العليا عن هذا التغول، فستجد نفسها غداً أمام “دولة البصات” التي تفرض قانونها، وتجبي مالها، وتقرر من يسافر ومن يتوقف.

على حكومة الولاية والأجهزة الأمنية أن تختار بوضوح: إما سيادة الدولة ممثلة في إدارة الميناء البري، أو سيادة الغرفة التي تريد أن تحكم الشارع. لا حل وسط بين القانون والفوضى. وعلى مواطن عطبرة أن يدرك أن معركته اليوم ليست مع سعر التذكرة، بل مع فكرة أن يصبح مرغماً على دفع “إتاوة” ليصل إلى وجهته.

كفى تغولاً.. كفى لي ذراع.. الميناء البري لعطبرة، وعطبرة للسودان، ولا مكان لمن يريدها سوقاً بلا قانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى