
أيها الوزير،
جئت إلى الوزارة تحمل اسم “الطاقة”، فإذا بالاسم سخريةٌ قدرية. فلا طاقةٌ أضأتها، ولا وقودٌ وفّرته، ولا وعدٌ صدقتَه. جئتَ لتكون شمساً للوطن، فصرتَ غيماً كثيفاً لا يمطر إلا انقطاعاً.
البيوت في الخرطوم صارت تحفظ مواعيد الظلام حفظاً، كما تحفظ الأمهات أسماء أبنائهن. الثلاجة لم تعد تحفظ الطعام، بل تحفظ رائحة الفساد. المستشفى صار يراهن على “ساعات التغذية” لا على مهارة الطبيب. المصنع أغلق أبوابه، لا لأن البضاعة كسدت، بل لأن “التغذية” كسدت.
وأما الوقود.. فتلك قصةٌ أخرى من قصص التيه. طوابير تمتد كأنها صلاة استسقاءٍ لبرميل بنزين. المواطن يقف ساعاتٍ ليملأ خزانه، ثم يقف ساعاتٍ أخرى ليملأ هاتفه، لأن الكهرباء التي تشحن الهاتف غائبةٌ بحضورك.
يا سيدي، الكرسي الوزاري ليس أريكةً للتبرير، ولا منبراً للخطابات الإنشائية. هو مسؤوليةٌ ثقيلةٌ، وميزانٌ لا يكذب. والميزان اليوم يقول: فشلٌ ذريع. فشلٌ في التخطيط، فشلٌ في الصيانة، فشلٌ في إدارة الأزمة، وفشلٌ في احترام صبر هذا الشعب.
الاعتراف بالفشل فضيلة، والاستقالة شجاعة. أما المكابرة فهي خيانةٌ موصوفة. إن كنتَ عاجزاً عن إشعال لمبةٍ في بيتٍ، فكيف ترجوك البلاد أن تشعل أملاً في وطن؟
ارحل.. أو أَقِل نفسك بنفسك. فالوطن اكتفى من وزراء “الظلام”. نريد من يضيء، لا من يعتذر عن العتمة. نريد من يملأ التنك، لا من يبرر فراغه.
فإما أن تكون وزير “طاقة” بحق، أو تتنحى كريماً.. قبل أن يطفيك التاريخ كما أطفأت أنت مصابيحنا.



