Uncategorized

محمد البشير حنبكة يكتب أسرة ديدان.. أربعة شموع أضاءت درب الكرامة بدمائها

حين تشتد المحن يظهر معدن الأوفياء، وحين ينادي الواجب لا يخذلك إلا من لم يفهم معنى الوطن. وفي بيت بسيط من بيوت السودان، وقفت أسرة ديدان لتكتب فصلاً من فصول التضحية النادرة: أربعة من أبنائها مضوا شهداء في معركة الكرامة، فصار اسمها مقروناً بالعطاء حتى آخر قطرة.

لم تكن أسرة ديدان تملك من الدنيا إلا إيمانها الراسخ بأن الأرض عرض، وأن العرض لا يُصان إلا بالدم. فخرج الأبناء الأربعة، كلٌ على طريقته، يلتحقون بصفوف المدافعين عن الوطن. لم يسألوا عن الراتب ولا عن العودة، بل سألوا عن الثغرة التي تحتاج سواعدهم. مضى الأول، فلحق به الثاني، ثم الثالث، وحين بلغ النبأ قلب الأم، مسحت دمعها وقالت: “إن كان الوطن يستحق، فليأخذ الرابع أيضاً”. فمضى الرابع شهيداً، لتكتمل لوحة الفداء بفرشاة من صبر لا يشبه إلا صبر أمهات السودان.

أربعة توابيت دخلت ذلك البيت، لكنها لم تدخل وحدها. دخل معها شرف لا يشترى، ومكانة لا تُمنح إلا لمن قدموا الغالي والنفيس. صار بيت ديدان مدرسة، يتعلم فيها الزائر معنى أن يكون للوطن أولوية على الذات، وأن يكون للكرامة ثمن تدفعه الأسرة كاملة دون تردد.

في زمن كثر فيه المتفرجون وتجار المواقف، تطل أسرة ديدان كجبل لا يميل. لم ترفع راية الحزن فوق راية الوطن، ولم تساوم على دماء أبنائها. قالت بفعلها لا بقولها: “هذا واجبنا”. فخلدت اسمها في ذاكرة الشعب، وصارت قصتها حجة على كل من يزهد في التضحية.

معركة الكرامة لم تكن معركة سلاح فقط، بل معركة قيم. وأسرة ديدان انتصرت فيها مرتين: مرة حين دفعت بأبنائها للذود عن الحياض، ومرة حين استقبلت خبر الشهادة برضا وثبات يليق بالكبار.

اليوم، حين يُذكر اسم ديدان، يُذكر معه معنى الأسرة التي لم تبخل على الوطن بشيء. أربعة شهداء من بيت واحد.. رقم يوجع القلب، لكنه يرفع الرأس. سلام على أرواحهم، وسلام على صبر أم أنجبت الرجال، وسلمتهم للوطن عن طيب خاطر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى