منوعات

معاوية السقا يكتب : عودة تلفزيون السودان إلى أم درمان.. رمزية السيادة في مواجهة عتمة التلكؤ

لم تكن عودة تلفزيون السودان إلى مقره التاريخي بأم درمان مجرد انتقال إداري أو جغرافي، بل كانت إعلاناً مدوياً بأن الدولة تستعيد أنفاسها، وأن الخرطوم تنفض عنها غبار الحرب لتؤكد أن الحياة عائدة إلى مجراها الطبيعي.
لقد أدى التلفزيون القومي دوراً محورياً في “حرب الكرامة”، كان صوت الدولة حين خفتت الأصوات، وصورتها حين تشوهت الصور. حمل على عاتقه مسؤولية الكلمة الوطنية في أحلك الظروف، فكان منبراً للجيش، ومرآةً لصمود الشعب، وسجلاً يوثق تضحيات الرجال.
لكن هذه العودة الرمزية تصطدم اليوم بواقعٍ مُعطِّل: *انقطاع التيار الكهربائي*. فالمقر الذي يُفترض أن يكون منارةً للوعي، يجد نفسه أسيراً لخط كهرباء سكني، يتذبذب ويتقطع لساعاتٍ طوال، في مشهدٍ لا يليق بمؤسسة سيادية هي لسان حال الدولة.
إن ربط مرفق بهذه الحساسية والأهمية على الشبكة السكنية هو خطأ إداري يجب تداركه فوراً. فالتلفزيون ليس منزلاً يُحتمل فيه الظلام، بل هو جهاز دقيق لا يتحمل الانقطاع، وغرفة أخبار لا تعرف السكون، وأرشيف وطني يفوق ثمنه الذهب.
وقد بذل معالي وزير الثقافة والإعلام الأستاذ خالد الإعيسر جهداً مقدراً، وصدرت توجيهات واضحة من والي الخرطوم لقطاع الكهرباء بأم درمان لتوصيل “خط ساخن” يضمن استقرار الإمداد. لكن المؤسف أن هذه التوجيهات اصطدمت بتلكؤٍ غير مبرر وتماطلٍ بيروقراطي يعطل عجلة العمل ويفرغ العودة من مضمونها.
إن هذا التلكؤ لا يضرب كفاءة التلفزيون فحسب، بل يضرب هيبة الدولة ورمزيتها. فكيف نحدث الناس عن عودة الاستقرار وهم يرون شاشة التلفزيون القومي تنطفئ؟ وكيف نُقنع العالم بأن أم درمان آمنة، وقلبها الإعلامي ينبض بصعوبة؟
المطلوب اليوم ليس وعوداً جديدة، بل تنفيذٌ فوري. *تركيب المحولات وتوصيل الخط الساخن ليس ترفاً، بل ضرورة سيادية وأمنية وإعلامية*. فالدولة التي انتصرت في الميدان لا يجب أن تُهزم أمام محول كهربائي.
عودة التلفزيون إلى أم درمان خطوة في طريق السيادة الكاملة. وإضاءة استديوهاته على مدار الساعة هي استكمالٌ لهذه السيادة. أما العتمة، فهي تليق بالعدو المهزوم، لا بصوت الأمة المنتصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى