مقالات

معاوية السقا يكتب الجزيرة بين انتعاش الإيرادات واختناق التمويل.. حين تخون الأرقام الواقع

ليست الأرقام دائمًا مرآة للحقيقة. قد تُظهر لك الموازنات نسب تحصيل مرتفعة، وجداول إيرادات مبشرة، ثم تصطدم عند التنفيذ بجدار اسمه “فجوة التمويل”. هذا تحديدًا ما تكشفه أزمة ولاية الجزيرة في 2026.

أن تُحصّل 72% من إيراداتك خلال ثلاثة أشهر فقط، فهذا مؤشر تعافٍ لا يُستهان به في اقتصاد خرج للتو من غبار الحرب. أن تصل إلى 120.1 مليار جنيه من أصل 670 مليارًا مستهدفة، فذلك جهد يحسب لوزارة المالية في ولاية أنهكها النزاع. لكن أن تضطر في الوقت ذاته لتمويل عجز المرتبات بملياري جنيه شهريًا من مواردك الذاتية، فهنا تنقلب المعادلة: نحن أمام انتعاش لا يُترجم إلى رفاه، وأمام تحصيل لا يمنع الاختناق.

جوهر المأساة ليس في ضعف الإيرادات، بل في اختلال البنية. فالولاية التي تمثل سلة غذاء السودان، وتملك أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا، تجد نفسها عاجزة عن سد فجوة الكهرباء، وتستجدي المحولات والزيوت بينما تُمنح لغيرها. تُنفّذ مشروعات للطاقة الشمسية والمياه بـ63 مليار جنيه، ثم تعجز عن سداد أكثر من 53% منها. هذا ليس فشلًا في التخطيط، بل فشل في المركزية.

إن قرار تحويل 100% من إيرادات المحليات إليها، مقابل تحميلها كامل نفقات التسيير، يبدو في ظاهره انتصارًا للامركزية. لكنه في جوهره اعتراف مرير: “المركز تخلّى عنا، فتدبّروا أمركم”. وهكذا تُلقى ولاية بحجم الجزيرة في يمّ الموارد الذاتية، وتُطالَب بأن تعيد الإعمار، وتدفع المرتبات، وتحفر الآبار، وتُضيء القرى، بينما شريان التحويلات الاتحادية شبه مقطوع.

المفارقة المؤلمة أن الطلب المجتمعي على الخدمات يتضاعف بعد الحرب، والمواطن لا يفهم لغة “الفجوة التمويلية”. هو يريد ماءً في الصنبور، وكهرباءً في البيت، ودواءً في المشفى. وحين تعجز الدولة عن ذلك، لا يلوم الاقتصاد، بل يلوم من يراه أمامه: الوالي، الوزير، المحلية.

ولاية الجزيرة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من “التحصيل الإلكتروني” لتقليل الفاقد، فقد فعلت. ولا تحتاج إلى مزيد من “المشروعات الطموحة”، فقد أطلقتها. هي تحتاج إلى عدالة في توزيع الموارد الاتحادية، وإلى رؤية مركزية تدرك أن انهيار الجزيرة هو انهيار للظهر الزراعي للسودان كله.

الأرقام تقول إن الإيرادات تتحسن. والواقع يقول إن التنمية تختنق. وبين القولين، تُختبر قدرة الدولة لا على الجباية، بل على الحكم. فالاقتصاد الذي لا يُطعم الناس، ولا يُنير بيوتهم، يظل مجرد جداول مكتوبة بحبرٍ لا يُقرأ في الظلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى