المجتمع

شموخ عمر تكتب حسن برقو.. حين تصير المسؤولية المجتمعية قلباً ينبض خارج الجسد الرجل الذي جعل من المنصب منبراً للعطاء، ومن الرياضة جسراً للإنسانية

في زمنٍ صار فيه المنصب غاية، والمسؤولية امتيازاً يُطلب، يطل حسن برقو كاستثناء يمشي على قدمين. لم يرَ في الكرسي سُلطة تُحتكر، بل مساحة تُستثمر لخدمة الناس. ولم يرَ في الرياضة هدفاً في الشباك فحسب، بل هدفاً أسمى: أن تلمس الكرة قلوباً أرهقها الفقد، وأن تضمد الفرحة جراح وطنٍ ينزف.

إنسانية حسن برقو لم تولد يوم تقلد لجنة المنتخبات، بل وُلدت معه. تربى على أن الجاه الحقيقي هو ما تبذله، لا ما تملكه. وأن المجد الذي لا يمر عبر عيون البسطاء، مجدٌ أعرج. لهذا، حين وصل إلى موقع القرار، لم يتغير. بقي هو ذات الرجل الذي يسبق اسمه عطاؤه، وتسبق هيبته بسمته.

ما يميز برقو أن المسؤولية المجتمعية عنده ليست بنداً في ميزانية، ولا فعاليةً للتصوير، ولا شعاراً يُرفع في المؤتمرات. هي نبضٌ يومي، وسلوكٌ فطري، وعقيدةٌ راسخة بأن من أُعطي، وجب عليه أن يُعطي. في عز انشغاله بملف المنتخبات، وتأهيل اللاعبين، وترتيب المعسكرات، كان قلبه هناك.. في مخيمات النازحين، وعنابر الأطفال، وبيوت الأرامل التي أطفأت الحرب سراجها.

لقد فهم الرجل أن كرة القدم ليست معزولة عن وجع الناس. فكيف تحتفل الجماهير بهدف، وبجوار الاستاد خيمةٌ تئن من الجوع؟ وكيف يرفع اللاعب الكأس، وفي الحي الذي جاء منه أمٌ تبيع الشاي لتشتري دواء ابنها؟ من هذا الفهم، مدّ برقو جسوراً بين الملاعب والملاجئ، وبين نجوم الكرة ونجوم الصبر المنسيين في الأطراف.

حمل معه اللاعبين إلى المستشفيات ليزوروا المرضى، لا لتُؤخذ الصور، بل لتُغرس القيم. أطلق مبادرات السقيا في القرى العطشى، ودعم مراكز غسيل الكلى، وتكفل بعلاج من لا سند له. كان يرى أن شعار المنتخب الذي على الصدر، يجب أن يكون بحجم الوطن الذي في القلب. وأن اللاعب الذي لا يشعر بوجع أهله، لن يقاتل لأجلهم في المستطيل الأخضر.

في لحظات الكارثة، حين ضربت السيول، وحين اجتاح الوباء، وحين ضاقت الأرض بالنازحين، كان اسم حسن برقو حاضراً قبل نداءات الإغاثة. لا ينتظر دعوة، ولا يبحث عن شكر. يرسل القوافل، ويفتح خزائن الخير، ويحشد زملاءه من الرياضيين ورجال الأعمال. يقول إن المسؤولية المجتمعية لا تعرف تخصصاً: فالطبيب يداوي، والمعلم يربي، والرياضي يزرع الأمل.

لم يكن عطاؤه مالاً فحسب، بل كان وقتاً، وجُهداً، وموقفاً. يقف مع المظلوم، ويجبر كسر الضعيف، ويطرق أبواب الدولة لا لنفسه، بل لمن لا صوت له. يؤمن أن الرياضة رسالة، وأن المنصب أمانة، وأن الغنى الحقيقي هو أن تنام وقريةٌ كاملة تدعو لك لأنك كنت سبباً في شربة ماء، أو جرعة دواء، أو فرحة طفل.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مسؤولين، بل إلى إنسانيين. لا يحتاج إلى من يديرون الأزمات من الأبراج العاجية، بل إلى من ينزلون إلى الناس، ويتوجعون بوجعهم، ويفرحون لفرحهم. وحسن برقو واحدٌ من هؤلاء القلة الذين فهموا أن المنصب يزول، والمال يفنى، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدمه للناس.

سيُكتب في سيرته أنه لم يكن رئيس لجنة فحسب، بل كان ضميراً. وأنه لم يصنع لاعبين فقط، بل صنع مواقف. وأن إنسانيته سبقت مناصبه، وظلّت بعده شاهداً على أن الرجال يُقاسون بقدر ما منحوا، لا بقدر ما جمعوا.

وحين تهدأ العواصف، ويُكتب تاريخ هذه المرحلة القاسية، سيُذكر اسم حسن برقو في فصلٍ عنوانه: رجالٌ أحبوا الوطن فعلاً لا قولاً، فكانوا للضعفاء سنداً، وللمكسورين جبراً، وللمسؤولية المجتمعية معنىً يمشي بين الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى