
■ حين اقتربت عقارب الساعة من السابعة صباح السبت، الأول من يوليو لعام 2023، كانت الحافلة المتهالكة تقف شاهدة على زمن التردي عند تقاطع “قندهار” غربي سوق ليبيا. كانت الحافلة، بمقاعدها الممزقة ورائحة الوقود المحترق التي تزكم الأنوف، تتأهب لقطع مسافة 425 كيلومتراً نحو “مدني” عبر طريق الدويم الترابي الغربي. لم تكن مجرد رحلة فوق جغرافيا السودان المنهكة، بل كانت غوصاً سحيقاً في دهاليز الخوف، وتنقيباً في أرواحنا التي أثقلها القهر بانتظار المجهول الذي يترصدنا خلف كل منحنى.
■ كان ذلك اليوم هو السابع والسبعين منذ أن انفتحت أبواب الجحيم في صبيحة الخامس عشر من أبريل. استقبلنا القدر بوجوه مكفهرة، وصدور محتقنة بمرارات لا تداويها الأيام. تحركت الحافلة جنوباً صوب المنارة، فواجهنا ما بين تقاطع قندهار وقناة “في 5” خمسة ارتكازات أمنية، في رحلة استجوابية رتيبة وعبيطة، تخلو من أي منطق عسكري سوي، وتغرق في سادية واضحة تهدف إلى كسر الأنفة السودانية في نفوس العابرين.
■ ما بين الارتكاز والآخر مسافة لا تتعدى مائتي متر، لكن كل نقطة تفتيش كانت تعمل كـ “جزيرة معزولة”، نظام قائم بذاته لا يعترف بما تم في النقطة السابقة. كانت الوجوه تتغير، والسحنات تتبدل، واللهجات تتفاوت، حتى ظننا أن هذه النقاط مجرد “حواكير” قبلية متناثرة تفرض سطوتها على الطريق العام. غير أنهم كانوا يتطابقون جميعاً في الأخلاق النزقة، والنزعة الموغلة في إذلال كل من لا تشير ملامحه أو لهجته إلى حواضنهم الضيقة، مما جعل كل “مائة متر” تقطعها الحافلة بمثابة عمر كامل من الترقب.
■ كان شغلي الشاغل وتفكيري المحموم منصباً على حماية نجلي “عبد الخالق”. كان الشاب في ريعان صباه، يفتقر لأي إثبات هوية في ذلك اليوم العصيب، بعد أن فقد أوراقه الرسمية وبطاقته الجامعية بفعل حادثة “نشل” غادرة تعرض لها في مركبات المواصلات العامة قبل أيام قليلة من اندلاع الصراع. في قانون الغاب الذي ساد الطريق، كان فقدان الهوية يعني الشبهة، والشبهة تعني الموت أو “التجنيد القسري” في أحسن الأحوال.
■ في أول ارتكاز بعد قندهار، صرخ المليشي بصوت أجش آمراً الجميع بتجهيز الهويات. حينها أخرج عبد الخالق بطاقة جامعية تعود لزميل له يدرس الطب يشبهه إلى حد كبير، هامساً لي بأن المليشي، في عجالته وصفاقة جهله، لن يلحظ الاختلاف البسيط. لكنني، بحدس الأب وخبرة الصحفي الذي يقرأ ما خلف الوجوه، أمرته بإخفائها فوراً. حذرته من مغبة التلاعب مع هؤلاء القوم الذين لا تحكمهم ضوابط ولا ترف لهم قلوب.
■ أوضحت لفلذة كبدي بحزم أن هؤلاء، برغم أن بنيانهم كلياً قائم على الزيف والادعاء، إلا أنهم يقيمون “حد الصدق” على غيرهم ببطش شديد إن اكتشفوا تلاعباً. لو فطنوا لعدم ملكيتك للبطاقة لأعدموك رمياً بالرصاص دون رمشة عين، ظناً منهم أنك فرد في الاستخبارات العسكرية يتخفى وراء هوية مستعارة. ومن هنا، بدأت في صياغة خطة بديلة تعتمد على “التشتيت”، وافتعال ما يشغل فرد الارتكاز عن تدقيق النظر في وجه ابني الشاب.
■ تكرر سيناريو التمويه في نقاط عدة، حتى بلغنا ارتكاز “النخيل” في شارع الفجر. كان هذا الارتكاز نقطة محورية ضخمة، تعج بالعربات القتالية وراجمات الصواريخ المحمولة وعشرات الأفراد الذين نضحت ملامحهم بالقساوة المفرطة. أوجست في نفسي خيفة، وقلت في سري: “إن عبرنا من هذا الجحيم فلن نضار بعده أبداً”. لكنني حرصت على ثباتي الظاهري أمام عبد الخالق، لكي لا يتسرب الخوف إلى قلبه فيفقد توازنه في لحظة المواجهة.
■ استعجلت بإبراز بطاقتي القومية التي تشير بوضوح لمهنتي، قاصداً إشغال “الجنجويد” بالتدقيق في بياناتي الشخصية بعيداً عن بقية الركاب. وقفت بجسدي لأحجب نجلي، ومددت البطاقة للمليشي الذي أطال النظر إليّ، ثم نزل مسرعاً نحو رئيسه في غرفة الارتكاز الكئيبة المشيدة من “الزنك” وشوالات الرمل. بدا وكأنه وجد صيداً ثميناً بمهنة “صحفي”، فتوقف عن تفتيش الحافلة.
■ مضت ربع ساعة ثقيلة كأنها دهر، كنت ألمح خلالها عيوناً تترصدني من عتمة الغرفة. بدأ الركاب يرمقونني بنظرات عتاب ممتزجة بالخوف، ظناً منهم أنني “المصيبة” التي ستعطل رحلتهم. انحنيت نحو عبد الخالق وهمست له: “يا ابني، إن تم اعتقالي امضِ بوالدتك وأخواتك، لا تلتفت خلفك، فمسؤوليتك الآن أكبر مني”. لكن القدر كان يخبئ لنا مخرجاً من حيث لا نحتسب.
■ قطع هذا التوتر صوت أتى من النافذة بلكنة دنقلاوية أصيلة: “عمك.. كومبو أرسِي؟”. كان شاباً نحيفاً تبدو عليه مسحة من تعليم، تذكرنا بأبنائنا الذين ضلوا الطريق في زحام الأيديولوجيا والمال. باغتني بترديد أبيات شعرية قديمة: “يا ترى ماذا أصير.. عندما أغدو كبيراً.. هل ترى أغدو طبيباً.. أو زعيماً أو وزيراً.. هل ترى أغدو أديباً.. أو صحافياً شهيراً”. كانت الضحكة التي خرجت من أعماقي في تلك اللحظة هي الصرخة الوحيدة المسموح بها في وجه الموت. أخبرته بأن الصحافة ماتت، وأني الآن مجرد صاحب دكان صغير، فصدّق على عبورنا بضربة كف على هيكل الحافلة المتهالك.
■ ما بين ارتكاز النخيل حتى مشارف الصالحة، عبرنا ارتكازات جانبية أقل كثافة، كانت إجراءاتها تتسم بشيء من الخفة والترهل، فلم تشهد تدقيقاً صارماً في الهويات، بل اكتفى أفرادها بنظرات عابرة على الوجوه، مما منحنا فرصة لالتقاط الأنفاس قبل المواجهة الكبرى.
■ بلغنا ارتكاز “الصالحة” المهيب، مخرج أم درمان الجنوبي وبوابتها نحو المجهول. كان المشهد هناك يجسد “الدولة داخل المليشيا”؛ فالطريق تحول إلى ثكنة عسكرية مفتوحة، مئات التاتشرات المصطفة، ومنصات القنص، والمدافع الثنائية الموجهة نحو كل من يتحرك. هنا كانت الدولة قد غابت تماماً، وحل محلها قانون القوة المطلقة. كان الزحام خانقاً، والجو مشحوناً برائحة البارود والغبار الذي تثيره العربات القتالية المنطلقة بسرعة جنونية.
■ ما جعل عبورنا السريع من هذا الارتكاز “المعجزة” ممكناً، هو تدبير إلهي بحت. ففي اللحظة التي توقفت فيها حافلتنا، كانت تجري عملية “استبدال” شاملة لطواقم الارتكاز. كان الأفراد الذين أنهوا نوبتهم مستعجلين للمغادرة، والآخرون منشغلين بترتيب مواقعهم وأسلحتهم. وسط هذه الفوضى التنظيمية، صعد إلينا فرد واحد فقط، كان يرمي ببصره نحو رفاقه أكثر مما يدقق في وجوهنا، فتم العبور في دقائق معدودة، وهي التي كانت تستغرق ساعات من العذاب لغيرنا.
■ وسط هذا التكثيف الأمني، وقعت عيناي على مشهد لن أنساه؛ كان “أحمد عيسى آدم”، الحارس الشخصي لقائد المليشيا، يجلس تحت مظلة متهالكة. كان وحيداً، بلا طاقم حراسة، وبلا ضجيج المرافقين. كان المشهد صادماً لأن الماكينة الإعلامية والوسائط كانت قد أكدت مقتله في معارك القيادة العامة قبل أسابيع. كان يجلس هناك، حياً يرزق، صامتاً، يراقب المارة بعينين غائرتين، لينسف بصمته ذاك كل الروايات المتداولة ويؤكد أن الحقيقة في هذه الحرب هي أول الضحايا.
■ واصلنا السير عبر قرى الريف الجنوبي، حيث بدأت ملامح “الدولة” تعود تدريجياً في وجوه الناس الصابرين. تبدلت سحنات العساكر بوجوه القرويين الطيبة، حتى وصلنا “المثلث”. هناك، ولأول مرة منذ انطلاقنا، استعدنا إيقاع أنفاسنا الطبيعي. عند مدخل خزان جبل أولياء، دبت الحياة فجأة؛ ضجيج الأسواق، صياح الباعة، وحركة الناس العادية، شعرت وكأننا خرجنا من ثقب أسود لنعود إلى مجرة الحياة. لقد كانت رحلة الموت، لكنها كانت أيضاً رحلة “البعث” للقلم الذي أبى إلا أن يوثق الانكسار لعل الفجر يقترب.
نواصل



