
بينما كانت الجماهير تنتظر سماع صوته الرصين وهو يحلل “الأزمات الاقتصادية” من خلف شاشة التلفزيون القومي، فاجأنا الإعلامي القدير محمد عثمان الإمام بدرسٍ بليغ، لكنه مرّ وموجع.. درس في “اقتصاد الصمود” ومرارة الجحود.
فيديو واحد كان كفيلاً بأن يقلب منصات التواصل الاجتماعي رأساً على عقب؛ لم يكن تقريراً إخبارياً هذه المرة، بل كان توثيقاً حياً لواقع كادح لمذيع أفنى 23 عاماً في خدمة “المؤسسة”، ليجد نفسه اليوم يصارع ظروف الحياة بـ “صناعة وبيع الزبادي البلدي” ليوفر لقمة العيش لأسرته.
23 عاماً من العطاء.. والجزاء “متعاون”!
المفارقة الصادمة ليست في العمل الشريف، فالإمام رجلٌ عزيز النفس اختار الكسب الحلال، لكن الفاجعة تكمن في أن قامة إعلامية قدمت نشرات الأخبار والبرامج الاقتصادية لأكثر من عقدين، لا يزال يُعامل بصفة “متعاون بالقطعة”! وليس موزف رسمي…
هذه الصفة التي تبخرت مع أول رصاصة في الحــــ.ــــ….ـرب، حرمته من أبسط حقوقه المادية والبدلات التي نالها زملاؤه الموظفون، وكأن سنوات عطائه لم تكن كافية ليتم تقنين وضعه أو تأمين مستقبله.
خذلان المؤسسة.. الصرخة الصامتة
الأكثر إيلاماً في رسالة “الإمام” ليس التعب الجسدي في مهنته الجديدة، بل هو تجاهل الإدارة. عاد الرجل إلى أرض الوطن، يحمل خبراته التراكمية ورغبته في العطاء، ولكن بدلاً من استدعائه لمكانه الطبيعي خلف الميكروفون، واجه صدوداً وتجاهلاً وضعه أمام خيار واحد: “العمل اليدوي الشاق”.
تلك الأيدي التي كانت تصيغ التقارير الرصينة، باتت اليوم تصارع “حرارة لقمة العيش” وصناعة الزبادي، في رسالة صامتة وقوية لكل مسؤول في هيئة الإذاعة والتلفزيون ووزارة الإعلام.
رسالة للضمير.. متى ينتهي زمن “تصحيح المسار”؟
إن حالة محمد عثمان الإمام ليست مجرد قصة فردية، بل هي تجسيد حي لسياسات “التعاون” التي تستهلك جهد المبدعين ثم تتركهم في مهب الريح عند أول أزمة. هي صرخة تضم صوتها للجنة المتعاونين والمطالبين بإنصاف الكفاءات التي ظلت صامدة رغم المحن.
كلمة أخيرة:
شعار “جيناكم” سيبقى منقوصاً وبلا معنى، ما دام أمثال الإمام يعودون ليجدوا الأبواب مغلقة في وجوههم. محمد عثمان الإمام لا يحتاج “تعاطفاً”، بل يحتاج “حقاً” ووضعاً وظيفياً يليق بتاريخه، ورد اعتبارٍ مادياً ومعنوياً ينهي سنوات الصبر الطويلة.



