مقالات

معاوية السقا يكتب غرفة البصات: حين تصبح الفوضى تهديداً أمنياً

ما يجري في الميناء البري بعطبرة لم يعد نزاعاً إدارياً بين إدارة ونقابة. ما يحدث الآن أخطر بكثير: محاولة ممنهجة لتحويل مرفق سيادي إلى “منطقة رمادية” خارج سيطرة الدولة. وغرفة البصات السفرية، بعنادها ورفضها للقانون، لا تدافع عن رزق.. بل تفتح باباً واسعاً للتهديد الأمني.

الأمن لا يبدأ من الحدود فقط. الأمن يبدأ من الميناء، من المحطة، من البوابة التي يدخل منها الناس ويخرجون. وحين ترفض غرفة البصات الانضباط، وحين تصر على الشحن في الشوارع والميادين، وحين تعطل البصات لساعات وتخلق حالة هرج، فهي لا تعطل حركة.. بل تصنع بيئة مثالية للفوضى. الشحن خارج أسوار الميناء يعني لا تفتيش، لا كشف، لا سجلات. أي طرد يمكن أن يتحرك، أي شخص يمكن أن يركب، أي ممنوع يمكن أن يمر. الغرفة بعنادها تحول أطراف عطبرة إلى معابر مفتوحة لا تخضع لرقابة الدولة. وهذا في لغة الأمن اسمه “ثغرة استراتيجية”. اليوم بضائع، وغداً ما لا يُحمد عقباه.

تعطيل البصات بالساعات ليس احتجاجاً مهنياً. هو رسالة مباشرة: “نحن من نقر متى تتحرك عطبرة ومتى تتوقف”. حين تحتجز مئات المسافرين رهائن لمعركة مع الإدارة، فأنت تمارس شكلاً من أشكال الضغط على الدولة عبر المواطن. وهذا تجاوز خطير لحدود النقابة إلى مربع “سلطة الأمر الواقع” التي لا تعترف إلا بذراعها. فرض رسوم خارج القانون وتحصيلها في الظل يعني نشوء اقتصاد موازٍ داخل الميناء. مال لا يدخل الخزنة، لا يُراجع، لا يُحاسب عليه أحد. وكل اقتصاد موازٍ هو أرض خصبة لغسل الأموال والتهرب الضريبي. الغرفة بذلك لا تسرق الدولة فقط، بل تخلق نظاماً مالياً موازياً يهدد استقرار المال العام.

الخطر الأكبر ليس في البصات المتوقفة، بل في الصورة التي تُرسخ: أن الدولة عاجزة، وأن الإدارة لا تملك قرارها، وأن مجموعة يمكنها أن تفرض إرادتها على مؤسسة حكومية. هذه الصورة لو ترسخت في عطبرة، ستتكرر في كل مرفق. وستصبح الفوضى “قدوة” لا “حالة شاذة”.

إدارة الميناء البري حين تتمسك بالقانون لا تتعنت. هي تحرس البوابة الأولى للأمن. تنظيم الدخول والخروج، حصر الرسوم، منع الشحن العشوائي.. كلها إجراءات أمنية قبل أن تكون إدارية. ومن يقف ضدها لا يقف ضد مدير، بل يقف ضد سيادة الدولة على ترابها.

على الأجهزة الأمنية وحكومة الولاية أن تتعامل مع الأمر من هذا الباب. هذا ليس ملف خدمات، هذا ملف أمن قومي مصغر. التهاون مع تغول الغرفة اليوم سيكلف عطبرة كثيراً غداً. عطبرة مدينة حديد ونار، لكن الحديد يصدأ إذا تركته للصدأ. والقانون يضعف إذا تركته للفوضى. غرفة البصات اختارت أن تكون جزءاً من المشكلة لا الحل. وعلى الدولة أن تختار: إما بسط القانون، أو انتظار العواقب.

الأمن لا يُجزأ.. والميناء البري خط أحمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى