مقالات

معاوية السقا يكتب بشير جموعة.. رجل الأعمال الذي جمع بين ميزان الربح وميزان الضمير

في المشهد الاقتصادي السوداني، حيث تتباين النماذج بين من يراكم الثروة بعيداً عن هموم المجتمع، ومن يجعل من المال جسراً لخدمة الناس، يبرز اسم رجل الأعمال بشير جموعة كنموذج يزاوج بين عقلية المستثمر الحصيف وروح المسؤولية الوطنية. مسيرته ليست مجرد سجل صفقات ناجحة، بل هي شهادة على أن رأس المال حين يقترن بالوعي، يصبح رافعة للتنمية وسنداً للضعفاء.

*1. في ساحة الاقتصاد: استثمار يراهن على الأرض*
لم يختر بشير جموعة الطرق السهلة للاستثمار السريع. وجه بوصلته مبكراً نحو القطاعات الإنتاجية التي تمس حياة المواطن مباشرة. من الزراعة والتصنيع الزراعي، إلى النقل والخدمات اللوجستية، أسس مجموعة أعمال اتخذت من ولاية الجزيرة مركزاً لنشاطها، إيماناً منه بأن نهضة السودان تبدأ من حيث الأرض والماء.

عُرف عنه تبنيه لسياسة “القيمة المضافة المحلية”، فبدلاً من تصدير الخام، عمل على إنشاء معاصر للزيوت ومطاحن للحبوب ومصانع للتعبئة داخل الولاية. هذه المشروعات لم تخلق أرباحاً لشركاته فحسب، بل وفرت مئات الوظائف المباشرة، وآلاف فرص العمل غير المباشرة للمزارعين وسائقي الشاحنات والتجار. في فلسفته، “المصنع الناجح هو الذي يرفع دخل عشرة بيوت حوله”.

*2. مواقفه الوطنية: صوت القطاع الخاص وقت الشدة*
برز دور جموعة بوضوح خلال الأزمة التي أعقبت الحرب. بينما آثر بعض المستثمرين الانكفاء أو الهجرة، اختار البقاء والمشاركة في جهود التعافي. تصريحه الأخير حول “نفير طريق مدني – المناقل” لم يكن مجرد كلام إنشائي، بل جاء مقروناً بإعلان الاستعداد للمساهمة بالآليات والمواد والخبرة الفنية.

يرى جموعة أن “الطريق ليس إسفلتاً، بل شريان حياة لمشروع الجزيرة”. هذا الفهم العميق لارتباط البنية التحتية بالإنتاج جعله دائم الحضور في المبادرات التي تطلقها حكومة الولاية. فهو يجادل بأن “كل جنيه يُستثمر في طريق أو قناة ري، يعود على الخزينة العامة وعلى المزارع البسيط أضعافاً مضاعفة”. هكذا يصبح رجل الأعمال شريكاً في صنع السياسات، لا متفرجاً عليها.

*3. في ميدان العمل الإنساني: عطاء بلا ضجيج*
لعل الجانب الأقل ظهوراً في مسيرة بشير جموعة هو إسهامه الإنساني. لم يؤسس مؤسسة خيرية تحمل اسمه، ولم يسعَ للأضواء، لكن بصمته حاضرة في مراكز الإيواء، وفي دعم المستشفيات، وفي كفالة الأسر المتعففة.

خلال موجات النزوح إلى ود مدني، تكفلت شركاته بتوفير آلاف الوجبات يومياً للنازحين، ووفرت مياه الشرب النقية لمراكز الإيواء عبر صهاريجها. وفي القطاع الصحي، ساهم في صيانة أجهزة غسيل الكلى، ودعم صندوق الدواء الدوار في مستشفى الأطفال. المقربون منه ينقلون عنه قوله: “الزكاة ليست 2.5%، الزكاة أن تنام وأنت تعلم أن جارك ليس جائعاً”.

*4. ملامح القيادة: الواقعية والتواضع*
يتسم خطاب بشير جموعة بالواقعية. لا يعد بما لا يستطيع، ولا يغرق في التنظير. في الاجتماعات، يستمع أكثر مما يتكلم، وحين يتكلم، يطرح أرقاماً ودراسات جدوى. رغم حجم أعماله، لا يزال يحرص على زيارة المشاريع ميدانياً، والجلوس مع المزارع البسيط وسائق الشاحنة لسماع مشكلاتهم.

هذا التواضع أكسبه احترام مجتمع الأعمال والسلطة والمواطن على حد سواء. فهو يمثل جيلاً من رجال الأعمال الذين يفهمون أن استقرار أعمالهم مرهون باستقرار المجتمع كله.

*خاتمة: رأس المال الوطني في زمن المحنة*
إن تجربة بشير جموعة تقدم إجابة عملية على سؤال شائك: ما هو دور رأس المال الوطني في زمن المحن؟ الإجابة التي يقدمها الرجل سلوكاً لا خطابة، هي أن رجل الأعمال الحقيقي شريك في بناء الدولة، وسند للمجتمع، ورقيب على نفسه قبل أن يكون رقيباً على أرباحه.

السودان اليوم، والجزيرة على وجه الخصوص، أحوج ما تكون إلى هذا النموذج من المستثمرين. نموذج يؤمن أن “تعافي الجزيرة هو تعافي السودان”، وأن بناء مصنع وتعبيد طريق وكفالة يتيم، كلها أعمال تصب في دفتر الوطن الواحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى