
وعلى حد قولي:
في يومٍ تكسّر فيه الصمت وانفضّ ستر المدار
وانكشف الغدر في وجوهٍ تزيّنت بشعار
باعوا الوطن رخيصاً وراحوا خلف كل دمار
لكن جيش الشعب حيٌّ… يحمي الأرض والدار
لم يكن الخامس عشر من أبريل يوماً عادياً في تاريخ السودان، بل كان لحظة فاصلة كتبت سطورها بالنار والدم، وتحوّلت فيها الخرطوم من عاصمة للحياة إلى مدينة تتنفس الخوف وتغرق في هدير الرصاص. في ذلك الصباح المشؤوم، استيقظ السودانيون على وقع تمرد مسلح قادته مليشيا آل دقلو، تمرد لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج تراكمات معقدة وخطط مبيتة استهدفت قلب الدولة ومؤسساتها السيادية.
لقد بدا المشهد وكأن الوطن قد أُخذ على حين غرة، إذ انقلب السلاح الذي كان يفترض أن يكون في خدمة الدولة إلى أداة لتمزيقها، وتحولت الشراكة الهشة إلى صراع مفتوح لا يعترف بالقانون ولا يراعي حرمة الإنسان. لم تكن المعركة بين الجيش والمليشيا فحسب بل كان المواطن هدف للمليشيا هو وممتلكاته وعرضه، وكانت معركة بين الدولة والفوضى، بين جيش قومي متجذر في وجدان الشعب، ومليشيا اختارت طريق التمرد.
ومع الساعات الأولى لاندلاع القتال، أخذت الخرطوم تتبدل ملامحها، الشوارع التي كانت تضج بالحياة صارت خاوية إلا من أصوات الاشتباكات، والمستشفيات امتلأت بالجرحى، والمنازل تحولت إلى ملاجئ يلوذ بها المواطنون من نيران لا تفرق بين هدف عسكري وبيت آمن. امتد لهيب الحرب إلى مدن أخرى، وتوسعت رقعة الألم، ليصبح السودان كله مسرحاً لمأساة إنسانية لم يشهد لها مثيلاً في تاريخه الحديث.
وفي خضم هذا الانهيار، برزت تساؤلات مشروعة حول الأدوار الإقليمية والدعم الخارجي الذي ساهم في تغذية الصراع. فقد ظلت الاتهامات تتردد حول وجود دعم وتسهيلات قُدمت للمليشيا، وفي مقدمة ذلك محمد بن زايد حاكم دويلة الإمارات الصهيوني، في سياق صراع مصالح يتجاوز حدود السودان ليعكس تعقيدات المشهد الإقليمي. هذه الاتهامات، سواء أكدت أو نُفيت، تعكس شعوراً عميقاً لدى السودانيين بأن ما جرى لم يكن شأناً داخلياً خالصاً، بل جزءاً من لعبة أكبر.
لكن، وبرغم هذا الواقع القاتم، ظل الجيش السوداني واقفاً كالسد المنيع، يستمد صلابته من تاريخه الطويل ومن ثقة شعبه فيه. لم يكن القتال بالنسبة له مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة وجود لحماية الدولة ومنع انهيارها الكامل. التف الشعب حول جيشه واستنفر معه في خندق الكرامة، لا من باب الشعارات، بل من منطلق إدراك عميق بأن بقاء الدولة مرهون ببقاء مؤسساتها الوطنية.
لقد كشفت الحرب عن معدن الشعب السوداني، ذلك الشعب الذي رغم الألم والنزوح وفقدان الأحبة، ظل متمسكاً بالأمل، ومتطلعاً إلى غدٍ أفضل. رأينا مبادرات التكافل، وتكاتف الأحياء، ووقوف الناس مع بعضهم البعض في وجه المحنة، وكأن السودان، رغم جراحه، يرفض أن ينكسر.
غير أن هذه الذكرى، بكل ما تحمله من وجع، تفرض علينا وقفة صادقة مع الذات. فما حدث لم يكن قدراً حتمياً، بل نتيجة أخطاء سياسية وتراكمات كان يمكن تفاديها لو توفرت الإرادة والرؤية. واليوم، لا يكفي أن نستحضر الألم، بل يجب أن نحوله إلى دافع لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، قوامها العدالة، وسيادة القانون.
إن الطريق إلى السلام لن يكون سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً. يبدأ بوقف الحرب فوراً، وفتح الممرات الإنسانية، وضمان عودة النازحين إلى ديارهم، ثم الانخراط في حوار وطني شامل لا يستثني أحداً ممن يؤمن بوحدة السودان وسلامته. كما يتطلب الأمر موقفاً واضحاً من كل أشكال التدخل الخارجي التي تسعى لتغذية الصراع أو توجيهه بما يخدم مصالحها وهذا لا يعفي محاكمة كل خائن باع الوطن تضامن مع المليشيا المُتمردة او كفيلتهم دولة الإمارات او دول الجوار التي باتت حدوها محطات لدخول المرتزقة والعتاد العسكري ولا سيم من اغتصب وسرق وقتل ونهب واستخبر من قحت او غيرها باي مسمي.
السودان اليوم يقف على مفترق طرق، إما أن سنواصل دحر التمرد لآخر شبر في أرض الوطن، في طريق اخر هو طريق الإعمار والتنمية والتعافي. والتاريخ لا يرحم، فهو يسجل المواقف كما هي، ويفرز بين من وقف مع الوطن ومن اختار ضده. وفي هذه اللحظة الحرجة، تبرز المسؤولية الجماعية لكل السودانيين، قيادة وشعباً، لوضع حد لهذه المأساة، وفتح صفحة جديدة عنوانها الإعمار والاستقرار.
ستظل ذكرى 15 أبريل شاهداً على يومٍ انكشفت فيه الحقائق، وسقطت الأقنعة، وامتحنت فيه إرادة شعب بأكمله. لكنها، في الوقت نفسه، يمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف، إذا ما أحسنّا قراءة الدرس، واستفدنا من التجربة، ووضعنا مصلحة السودان فوق كل اعتبار والتحية لأبناء الشعب السوداني الأوفياء ولشهدنا المجد والخلود وللجرحى عاجل الشفاء وللأسرى الصبر والثبات وللمساهمين في دعم التكاية وصندوق دعم المرضى والمصابين، تحية خاصة لامبدة وقيادات العمل الخاص والمستنفرين والكوادر الطبية مهندسين الكهرباء بأمبدة وشهداء أمبدة خط الدفاع الأول ليس تحيز ولكن حق يجب أن يقال.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة.



