
,, الإختبارات دائماً شيء مخيف لصاحبها ، مهما اجتهد الشخص وأتقن مواد الحياة ، لكن للامتحان رهبة والتي يصعب على الصغار والكبار تجاوزها بسهولة مهما كان تفوق الشخص وعبقريته ، لا أحد يجب ان يوضع في وضع الممتحن ، لكن يمكن للشخص ان يقوم بدور الرقيب ، لكن الحياة تجبرك في أوقاتها العصيبة على الإمتحان والرقابة في نفس الوقت ، فأنت وحدك القادر على ان تأخذ بزمام أمورك لتخرج بها إلى النور مهما كانت قوته.. المحاولة شرف ،،
ص ١٠
عند الغوص في عوالم المجموعة القصصية شتاء أسمرا للأديب الإريتري هاشم محمود، يجد القارئ نفسه أمام تجربة سردية تنبض بالحياة، حيث تتجلى اللغة السلسة كجسرٍ شفاف ينقل الأحاسيس دون تعقيد أو افتعال. فالكاتب لا يكتفي بصياغة الحكايات، بل يميل إلى ملامسة الواقع الإنساني، مستحضراً معاناة الشعب الإريتري، ومشاهد الاغتراب التي يعيشها الإنسان الإريتري في المهجر، ليمنح نصوصه صدقاً إنسانياً عميقاً.
يحمل عنوان المجموعة شتاء أسمرا دلالة جمالية توحي للوهلة الأولى بفصول السنة، وربما يستدعي في ذهن القارئ أجواء أسمرا، المدينة التي تتميز بمناخها المعتدل خاصة في فصل الشتاء. غير أن الكاتب يتجاوز هذا التصور التقليدي، ليمنح “الشتاء” بعداً رمزياً يعكس حالات إنسانية مركبة، تتداخل فيها التجربة مع الذاكرة، والحب مع الألم، والواقع مع الحلم.
تضم المجموعة سبع قصص هي: معاهدة ود حشيل، وداعاً حبيبتي، عتمة الوجه، دفعة الإنجاز، شتاء أسمرا، فرصة ضائعة، مدرسة إبراهيم سلطان الثانوية. وفي هذه النصوص، لا يظهر الحب بوصفه تجربة عابرة أو مأساة معتادة كما هو شائع في كثير من الكتابات السردية، بل يتجلى كـ”سيمفونية” متكاملة، تبدأ بنغمات الألم، ثم تتصاعد تدريجياً حتى تبلغ ذروتها في لحظة الانتصار الإنساني.
لقد اعتاد القارئ في الأدب الروائي والقصصي أن يجد الحب مقترناً بخيبة الأمل، لكن هاشم محمود يعيد تشكيل هذه الصورة، محولاً الحب إلى طاقة خلاقة، قادرة على تجاوز الانكسار، وصناعة معنى جديد للحياة. وهنا يطرح النص سؤالاً ضمنياً: لماذا يُختزل الحب غالباً في الفشل..؟ ليأتي جواب الكاتب ضمنياً أيضاً، عبر نصوصه التي تمنح الحب بعداً سرمدياً، يتجاوز حدود الألم نحو أفق أكثر إشراقـاً.
ومن بين قصص المجموعة، قصة دفعة الإنجاز كنموذج حي يجمع بين الواقعية والبعد العاطفي. فهي تستند إلى زمن حقيقي هو فترة الدراسة الجامعية، تلك المرحلة التي تتسم بالعزيمة والطموح، وتدور أحداثها في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وتحديداً في كلية الدراسات التجارية. تناقش القصة إشكالية الاستلاب الثقافي، لكنها لا تقف عند حدود النقد، بل تنفتح على أفق إنساني أرحب، حيث تنتهي بحكاية حب تنشأ بين فتاة سودانية نشأت في جدة، وشاب من عطبرة، في تمازج يعكس تنوع التجربة الإنسانية.
إن المتأمل في هذه المجموعة يدرك أن فكرة الحب هي جوهر التجربة التي يسعى الكاتب إلى ترسيخها. حب صادق، نابض، يعبر عن الإنسان في ضعفه وقوته، في اغترابه وانتمائه. وقد نجح هاشم محمود في أن يضع “النقاط على الحروف”، مقدماً رؤية متوازنة تجمع بين الواقعية والأمل، وتجعل من الحب سيمفونية إنسانية تستحق أن تُصغى بكل إنصات.



