الرياضة

ريم يونس تكتب :إنسانية في الميدان.. حسن برقو حين يصبح الرياضي قضية

في زمن تتصلب فيه القلوب وتضيق المواقف يقف بعض الناس ليذكّروا الجميع أن الإنسانية لا تزال ممكنة. حسن برقو واحد من هؤلاء. رجل أعمال لم يرَ في الرياضة مجرد منافسة على الكأس بل رأى فيها وطناً مصغراً وشباباً يستحقون السند. ومنذ سنوات اختار أن يكون حيث يتألم الرياضي لا حيث تُرفع الكؤوس فقط.

لم يكن دعم برقو للرياضيين منحة موسمية ولا ظهوراً إعلامياً. كان التزاماً طويل النفس بدأ حين كانت الملاعب خاوية والإصابات تُنهي أحلاماً كثيرة. تكفل بعلاج لاعبين كُسرت أقدامهم وكُسرت معها أحلام أسرهم. فتح أبواب المستشفيات داخل السودان وخارجه أمام نجوم لم يجدوا من يسأل عنهم بعد صافرة النهاية. ودفع تكاليف عمليات جراحية معقدة دون أن يشترط عودة اللاعب إلى نادٍ بعينه. كان يقول إن الرياضي ثروة قومية وحمايته واجب على كل قادر.

وعندما عصفت الحرب بالبلاد وانهارت المؤسسات كان الرياضيون أول من فقد المورد والسند. توقفت الرواتب وأُغلقت الأندية وتشرد اللاعبون بين الولايات ومعسكرات النزوح. هنا ظهر برقو مرة أخرى لا كمتبرع بل كأخ كبير. أطلق مبادرات لإيواء اللاعبين وأسرهم وتكفل بإيجارات منازل لعشرات الأسر الرياضية التي فقدت كل شيء. صرف مرتبات شهرية للمدربين والحكام الذين انقطعت بهم السبل. وأمّن ترحيل المنتخبات والفرق التي أرادت أن ترفع اسم السودان في المحافل الخارجية رغم ظروف الحرب.

دعمه لم يقف عند كرة القدم. مد يده إلى ألعاب الظل التي لا تجد من يمولها. أبطال ألعاب القوى والسباحة والمناشط الفردية وجدوا فيه سنداً حين عجزت الاتحادات. اشترى معدات وتكفل بمعسكرات وفتح بيته قبل مكتبه لكل صاحب موهبة أراد أن يكمل الطريق. كان يؤمن أن الميدالية التي تُرفع في بطولة خارجية هي انتصار معنوي لشعب مُنهك.

إنسانية حسن برقو لا تُقاس بحجم المال الذي دفعه بل بفلسفته التي حملها. كان يرى أن الرياضي ليس سلعة تُشترى وتُباع بل قيمة يجب أن تُحمى. وأن الأندية ليست جدراناً وجماهير فقط بل أسر ممتدة من اللاعب حتى عامل غرفة الملابس. لذلك شمل دعمه الجميع. من نجم الشباك حتى عامل المهمات. ومن لاعب المنتخب حتى الناشئ الذي يحلم بالظهور الأول.

اليوم حين يعود الحديث عن إعادة بناء الرياضة السودانية فإن اسم حسن برقو يُذكر كشاهد على أن العطاء لا يحتاج إلى منصب. وأن الرجل الذي آمن بالرياضيين في لحظة الانكسار يستحق أن يكون شريكاً في لحظة النهوض. الرياضة في السودان مدينة بالكثير لمن وقف معها وهي جريحة. وبرقو كان في مقدمة الواقفين.

ما فعله الرجل يعيد تعريف العلاقة بين رأس المال والمجتمع. لا شراكة مصلحية ولا استثمار مشروط بل مسؤولية أخلاقية تجاه شباب يمكن أن تضيع أحلامهم بين رصاصة وإصابة وفقر. وحين يلتقي المال بالضمير تولد قصص مثل قصة حسن برقو. قصة تقول إن الرياضة بخير ما دام فيها من يرى الإنسان قبل اللاعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى