مقالات

معاوية السقا يكتب : كهرباء الخرطوم: تضارب بين إرادة الدولة وتيار يحرق الأعصاب

لم يعد المواطن في ولاية الخرطوم يئن تحت وطأة الحرب وحدها، بل أثقلت كاهله فاتورة كهرباء ترتفع بلا هوادة، وتيار متذبذب لا يكاد يستقر حتى يعود للانقطاع ساعات طوال. مفارقة صارخة تتجلى بين توجيهات عليا واضحة، وواقع معيشي يزداد قتامة.

فقد وجّه رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مراراً بتوفير الإمداد الكهربائي واستقراره كأولوية قصوى لتطبيع الحياة وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى ديارهم. والتوجيه الرئاسي في العرف الإداري هو أمر نافذ لا يقبل التأويل ولا التأجيل. فلماذا إذن لا يزال الظلام سيد الموقف؟

إن الزيادة المضطردة في تعرفة الكهرباء قد نخرت ما تبقى في جيب المواطن المنهك أصلاً بتداعيات الحرب والغلاء. يدفع المواطن ثمن خدمة لا تصله. يشتري الكهرباء بأغلى الأثمان ليجد نفسه في مواجهة صمت الأجهزة وظلمة البيوت. أي عدالة في معادلة تأخذ ولا تعطي؟ وأي منطق اقتصادي يجعل من الخدمة الأساسية عبئاً إضافياً بدلاً من أن تكون محفزاً للاستقرار؟

هنا يبرز السؤال الذي تتهامس به المجالس وتضج به منابر التواصل: هل هناك من يعمل في الخفاء ضد إرادة الدولة؟ هل تقف أيادٍ خفية وراء هذا التردي الممنهج في قطاع حيوي كالكهرباء، لإجهاض كل محاولة لتطبيع الحياة في العاصمة؟ إن تعطيل عودة الناس إلى الخرطوم لا يخدم إلا أجندة الفوضى. والمواطن الذي يُنهك بالفاتورة والظلام، لن يفكر في العودة، بل سيواصل رحلة النزوح القسري.

إن استقرار التيار الكهربائي ليس ترفاً، بل هو حجر الزاوية في معركة التعافي. لا مصانع تدور بلا كهرباء، ولا مستشفيات تعمل، ولا مياه تضخ، ولا مدارس تفتح أبوابها. كل حديث عن إعادة الإعمار يصبح لغواً ما لم تُضأ المصابيح أولاً.

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الشركة السودانية للكهرباء ووزارة الطاقة قبل غيرهما. فإما أن تنفذا توجيهات القيادة العليا بمهنية وتجرد، وإما أن تفسحا المجال لمن هو أقدر على حمل الأمانة. لم يعد مقبولاً أن تتحول المبررات الفنية إلى شماعة تُعلق عليها كل الإخفاقات.

الشعب الذي صبر على ويلات الحرب، لن يصبر طويلاً على ظلام يُفرض عليه وتسعيرة تكسر ظهره. والتاريخ لا يرحم من يقف حجر عثرة في طريق عودة الحياة. فإما كهرباء مستقرة تحيي العاصمة، أو أسئلة حارقة ستبحث عن إجابات في وضح النهار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى