منوعات

شموخ عمر تكتب: بين عشقتك يا وطن وأخوي تومي.. المهرجانات العربية تحت مقصلة السوشيال ميديا

من الفوز الأكاديمي المنسي إلى الجدل التراثي.. أزمة المشاركات السودانية بين هندسة الجوائز وذائقة السوشيال

بين الأمس واليوم تتبدل أدوات التلقي وتتغير معايير النقد الفني مما يضع المشاركات الخارجية للمبدع السوداني في مواجهة مستمرة مع ذائقة الجمهور فبينما كانت المهرجانات الرسمية قديما تحاط بنوع من النخبوية والخصوصية بات الفضاء الرقمي المعاصر ومواقع التواصل الاجتماعي يصنعان محاكمات جماهيرية فورية تعجز أحيانا عن استيعاب المعادلات المعقدة التي تحكم لجان التحكيم العربية وهو ما يتجلى بوضوح عند المقارنة بين فوز الفنانة أسرار بابكر في الماضي والجدل الذي صاحب مشاركة الفنان مأمون سوار الدهب حديثا.

هندسة الجوائز مقابل الخصوصية المحلية

تكمن الفجوة الأولى بين التجربتين في طبيعة العمل المقدم ففي عام 2003 ذهب السودان إلى مهرجان الأغنية العربية بالمغرب بعمل مخبري أكاديمي صنع خصيصا للمسابقة نص فصيح للشاعر مهدي محمد سعيد ولحن أوركسترالي صاغه الموسيقار محمد حامد جوار وكانت الأغنية تخاطب مواصفات لجان التحكيم العربية مباشرة وهو ما جعلها تحصد المركز الأول ممثلا في جائزتي أفضل نص وأفضل لحن.
في المقابل فضل مأمون سوار الدهب الرهان على الخصوصية السودانية البحتة فصدح بأغنية تراثية دارجة أخوي تومي على خشبة مسرح الأوبرا بتونس وهنا تفجرت الأزمة فالمفردات المغرقة في المحلية صعبت مهمة المتلقي والناقد العربي في فك شفراتها البلاغية كما أن التوزيع الموسيقي الأوركستراوي المشترك لم يخدم طبيعة الإيقاع السوداني فبدت الحنجرة القوية معزولة عن سياقها الموسيقي المعتاد.

لو عاصرت أسرار بابكر زمن السوشيال ميديا

وأرى أن فوز أسرار بابكر التاريخي حظي بحماية زمن العزلة الرقمية حيث غابت المنصات الفورية التي تقطع المقاطع وتصدر الأحكام فلو أنها قدمت عملها في زمن التيك توك والفيس بوك لكانت قوبلت بذات الهجوم وعدم الرضا ولو أتيح للجمهور الرقمي وقتها التفاعل لربما انتقد معايير اختيار أسرار تمثيلا للبلاد ولربما قوبل العمل لايف بهجوم عنيف نتيجة مشاكل البث التلفزيوني وضبط الترددات الصوتية آنذاك قبل أن تنقذها موجة الفخر التي تلت إعلان الفوز والذهب.

الأرقام لا تكذب الفوز الأكاديمي والنسيان الجماهيري

المفارقة الكبرى التي تكشفها لغة الأرقام هي أن الأغنية التي أبهرت لجان التحكيم العربية عشقتك يا وطن دخلت طي النسيان الفوري محليا لم يترنم بها الشارع ولم تتردد في المحافل الجماهيرية وإذا تتبعنا إحصائيات منصة يوتيوب لنسخة الأغنية المرفوعة منذ عام 2011 سنصدم بأنها لم تحظ سوى بخمسة آلاف مشاهدة وتسعة عشر إعجابا وثلاثة تعليقات فقط وهذا البرود الرقمي يثبت أن الأغنية صنعت لإرضاء الخارج وفشلت في ملامسة الوجدان السوداني الذي يفضل البساطة والشجن الحماسي الدارج وزاد من اندثارها الاعتزال المبكر للفنانة أسرار بابكر.

الآلية المعقدة لمن تغني في المهرجانات

تطرح الأسئلة اليوم بكثافة حول آلية الترشيح والواقع يقول إن اتحاد إذاعات الدول العربية يتعامل مع كيانات رسمية وهي الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في السودان وهي التي تختار الممثلين وفق رؤيتها وليس بناء على تصويت الجمهور أو ترندات السوشيال ميديا والأهم من ذلك أن هذه المهرجانات وجدت تاريخيا لهدف التثاقف الدبلوماسي فالأغنية هناك تصنع لتعجب البلاد الأخرى واللجان المتخصصة المتنوعة الجنسيات وليس لإرضاء مزاج ابن البلد الذي يبحث عن إيقاعاته الراقصة ومفرداته المعتقة.

البحث عن المعادلة المفقودة

إن الهجوم الذي طال مأمون سوار الدهب والنسيان الذي طوى عمل أسرار بابكر ما هما إلا وجهان لعملة واحدة تعكس الأزمة الهيكلية للمشاركات الخارجية ويحتاج المبدع السوداني اليوم إلى صياغة معادلة ذكية تجمع بين الخصوصية السودانية الجاذبة للداخل وبين التبسيط اللغوي والتوزيع الأوركسترالي المفهوم للخارج حتى لا نظل نراوح بين فوز أكاديمي يطويه النسيان أو مشاركة تراثية يصدمها واقع التلقي العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى