
ليست البيانات التي تصدرها الغرف التجارية مجرد أوراق احتجاج عابرة، إنها في جوهرها مرآة تعكس نبض السوق، وحين يصرخ التاجر فإن الذي يتألم حقاً هو المواطن في آخر الصف.
بيان الغرفة القومية للمستوردين اليوم، الذي ثمن توجيهات رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان برفع حظر السلع، ليس بيان شكر بروتوكولي كما يبدو في ظاهره، بل هو وثيقة إدانة اقتصادية متكاملة لقرارٍ وُلد ميتاً.. القرار رقم 74.
لستة أشهر كاملة، عاش الاقتصاد السوداني تحت وطأة فكرة قاصرة، ظنت أن منع الاستيراد حماية للإنتاج، فإذا بها تخلق وحشاً ثلاثي الرؤوس: احتكارٌ يذبح المنافسة، وتهريبٌ يفتح بوابات خلفية للفساد، واستثناءاتٌ وتسوياتٌ تحولت إلى سوق سوداء داخل الدولة نفسها.
والأهم في البيان ليس الثناء على البرهان، بل تلك الجملة الذكية التي وضعها كشرطٍ قانوني: “يجب أن تترجم التوجيهات فوراً إلى قرار واضح من رئيس الوزراء بإلغاء القرار 74”. هنا مربط الفرس.
ثم يفتح البيان جرحاً أخطر، ظل مسكوتاً عنه: نظام الإقرار المسبق للشحنات ACD. أن تذهب كل أسرار استيراد دولة، بكل تفاصيلها، إلى شركة بريطانية أجنبية غير موثوق بها، بمقابل مادي يدفعه المستورد السوداني، فتلك ليست مجرد تكلفة إضافية، إنها ثغرة سيادية.
وإعفاء السلع الغذائية من الجمارك وتخفيض الدولار الجمركي وتثبيته لعام، كلها مطالب تبدو اقتصادية، لكنها في حقيقتها اجتماعية.
إن تدخل البرهان هذه المرة لم يكن تدخلاً سياسياً، بل كان تدخلاً لإنقاذ السوق من قرارات معزولة عن الواقع. والكرة الآن في ملعب رئيس الوزراء.




