
لم يكن سوط العنج في بيت السوداني القديم أداة قمع، كان أداة تقويم. ولم تكن البسطونة التي تعلق خلف الباب زينة، كانت دستوراً غير مكتوب يقول: لهذا البيت وليّان، ولهذا الوليّان هيبة، ولهذه الهيبة حدود لا يُسمح بتجاوزها.
اليوم، سقط السوط، وانكسرت البسطونة، وفتح الباب على مصراعيه لرياح السوشيال ميديا، فدخلت بلا استئذان، وجلست في صدر البيت.
افتح هاتفك.. سترى ما يخجل القلم من وصفه. فتيات في عمر الزهور، يقدمن أجسادهن قبل عقولهن، يتمايلن أمام الكاميرا بحثاً عن تكبيسة، وشير، ووردة من مجهول في أقاصي الأرض. كلام بلا معنى، ضحكات بلا سبب، رقص بلا مناسبة، واعترافات لا يقولها المرء حتى لنفسه، صارت تُقال على الملأ بلا حياء ولا خجل.
أين الوليان؟
سؤال ليس للتشفي، بل للحسرة. أين الأب الذي كان إذا مرّت ابنته في الحوش خفض الجميع صوته احتراماً؟ أين الأم التي كانت تعلم ابنتها أن الحياء رأس مال المرأة، وأن الستر ليس قماشاً يُلبس، بل خلق يُحمل؟
لقد استقال كثير من أولياء الأمور من وظيفتهم المقدسة. سلّموا التربية للشاشة، والشاشة لا تربي، الشاشة تبيع. تبيع الوهم، وتبيع التفاهة، وتبيع لحظات رخيصة من الشهرة سرعان ما تتحول إلى لعنة تلاحق صاحبتها حتى بعد أن تطفئ الكاميرا.
إن ما نراه ليس حرية، الحرية أن تتعلم الفتاة، أن تتفوق، أن تصبح طبيبة، مهندسة، معلمة، شاعرة. الحرية ليست أن تخلع حياءها أمام متابعين لا يعرفون اسمها الثلاثي، ولا يهمهم إلا جسدها.
لقد صار المحتوى التافه هو الأعلى مشاهدة، لأننا نحن من نكافئه بالمشاهدة. نحن من نصفق للتفاهة، ثم نشتكي من انتشارها. نحن من نرفع الساقط، ثم نبكي سقوط القيم.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى تفعيل وضع سوط العنج والبسطونة.. لا بمعناه المادي الذي يوجع الجسد، بل بمعناه الرمزي الذي يوقظ الضمير. سوط من الحزم التربوي، سوط من المتابعة، سوط من أن يقول الأب: قفي.. هذا لا يشبهنا. وأن تقول الأم: بنيتي.. هذا الطريق آخره ندم.
التربية ليست قسوة، لكن ترك الحبل على الغارب ليس رحمة. الرحمة أن تأخذ بيد ابنتك قبل أن تأخذها الخوارزميات إلى حيث لا عودة. الرحمة أن تعلمها أن قيمتها ليست بعدد المتابعين، بل بعدد القيم التي تحملها.
إن مجتمعاً يصمت على الإسفاف، هو مجتمع يجلد نفسه بنفسه، كل يوم، بسوط أشد من العنج، سوط الندم.
فعودوا إلى بيوتكم، علقوا البسطونة في مكانها، ليس لتضربوا بها الأجساد، بل لتذكروا بها أن للبيت سوراً، وأن للسور باباً، وأن للباب ولياً لا ينام.




