منوعات

معاوية السقا يكتب: “كهرباء الروح”.. تلفزيون الخرطوم حين رفض أن يموت

في زمن يُقتل فيه الصدق قبل الناس، ويُدفن الضوء تحت غبار البنادق، خرجت من قلب الخرطوم شاشة عنيدة. لم تستسلم للظلام، ولم تبع صوتها للخوف. كانت *تلفزيون ولاية الخرطوم*.. لم يكن مبنىً ولا أجهزة، كان نبضاً.

حين انطفأت مدن الكلام وسادت رواية الرصاص، بقيت هذه الشاشة تقول: “هنا نحن”. هنا مدينة تتنفس رغم الجراح، وشعب يرفض أن يُكتب في دفاتر الهزيمة. أدرك من حملوا الكاميرا مبكراً أن الحرب لا تُحسم في الميدان وحده. فالكلمة خندق، والصورة سلاح، والخبر متاريس في وجه اليأس.

لم يمنحه التميز استديو مكيف ولا مولد لا ينقطع. كان يبث على وعد مولد يلهث، والمدينة من حوله ترتجف. لكنه استعاد للشاشة الحكومية شرفها الأول: أن تكون عين المواطن لا عين السلطة. خرج من القاعات المكتبية إلى الشارع الخالي، نقل دمعة الأم قبل بيان الوزير، وصوت الجائع قبل تصريح المسؤول.

فتح عدسته للتكية التي تقتسم اللقمة، وللشباب الذين يرفعون الحجارة بأيديهم، وللطبيب الذي يخيط الجراح تحت السقف المثقوب، وللنازح الذي يحمل اسمه على ورقة بحثاً عن مفقود. صار *دفتر الخرطوم اليومي*. يسجل الوجع ولا يلطمه، ويروي الصمود ولا يتاجر به. بكى مع الناس، لكنه منعهم أن يغرقوا في البكاء. كان صوت الألم، لا ناعي الأمل.

حين سُميت الحرب “معركة الكرامة” فهم التلفزيون أن للكرامة ثلاث جبهات: جبهة البندقية، وجبهة الوعي، وجبهة الحكاية. فاختار الثالثة بحرفية المقاتل. واجه سيل الشائعات الذي أراد كسر الروح، وفتت خطاب الهزيمة الذي كان يُحقن في الوريد كل ليلة. استضاف العالم ليشرح، والمحلل ليفك، والمواطن العادي ليقولها ببساطته: “ما زلنا هنا”.

لم يكتفِ بأن ينقل ما يحدث، بل غاص إلى ما وراءه. وثّق بطولات لا تُكتب في البرقيات، وخلّد تضحيات لا تظهر في العناوين، وفضح زيف من أراد للمدينة أن تسقط في الرواية قبل أن تسقط في الواقع. قدّم “الكرامة” كسيرة: جندي في التراب، امرأة في صف العيش، طفل عاد إلى طبشورة رغم القصف. حول الشاشة إلى *أرشيف وطن* حتى لا يسرقه المزورون غداً.

وخلف كل شاشة صامدة في زمن الخراب، يقف من آمن أن المستحيل وهم. *د. يوسف الناير*، مدير تلفزيون ولاية الخرطوم، لم يدر المؤسسة من خلف زجاج المكتب. كان في غرفة الأخبار حين يضيق الوقت، وفي الشارع حين تشتد الحاجة، وبين الفريق حين يميل الميزان. علم أن القيادة في الحرب هي أن تكون أول الواقفين.

آمن أن الإعلام الحكومي يمكن أن يكون حراً بلا فوضى، ووطنياً بلا تصفيق أجوف. فتح النافذة للرأي المسؤول، واشترط على الشاشة المهنية قبل الحماسة. حارب خوف البيروقراطية، ودفع بالشباب إلى المقدمة قائلاً: “الميكروفون أمانة، والعدسة شهادة”. فحملوها كما تُحمل البنادق.

حرس “روح” التلفزيون كما يحرس الجندي موقعه. منعه أن ينزلق إلى الشماتة أو خطاب الكراهية، وأصرّ أن يبقى صوت دولة لا صوت خصومة. خطاب يضم ولا يشطر، يجبر ولا يكسر. في عهده صارت النشرة وثيقة للتاريخ، والتحقيق الميداني شهادة حيّة، والحوار منبراً للحكمة لا لسوق الصراخ.

واليوم، ونحن نتحدث عن العودة، لم يكن التلفزيون غائباً. ظل الشمعة التي تضيء حين انقطع التيار عن المدينة كلها. كان *كهرباء الروح*. طمأن النازح في بورتسودان أن الجدار ما زال قائماً، وطبطب على كتف المقاتل أن الأهل بخير، وقال للعالم: الخرطوم مجروحة.. لكنها لم تمت.

انحاز للمواطن، فانحاز المواطن له. لم يكن مجرد ناقل للحكاية، صار جزءاً منها. وهذا هو التميز: أن تتحول من جهاز يبث إلى وجدان يسكن.

في معركة الكرامة كان للبندقية فرسانها، وكان للشاشة فارسها. وسيكتب التاريخ أنه في زمن كذبت فيه شاشات كثيرة، صدقت شاشة الخرطوم. وفي عهد د. يوسف الناير، تكلم التلفزيون بلسان الناس، فدخل قلوبهم قبل أن يدخل بيوتهم.

لأن الكلمة الصادقة وطن.. وتلفزيون الخرطوم كان الوطن في زمن المنفى.

*معاوية السقا*

؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى