
إن ما تشهده المنطقة الحدودية بين السودان ومصر من تطورات أمنية خطيرة يستوجب قراءة متأنية مدروسة تتجاوز الحوادث المنفردة إلى فهم ما يجري على الأرض من تحركات وصراعات تستهدف تغيير موازين النفوذ في المنطقة. ومن واقع خبرتي الشرطية الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، فإنني أرى أن التعامل مع هذه التطورات يتطلب كشف الوقائع، وربط الأحداث، وعدم إغفال الدور الذي قد تؤديه الأجهزة الاستخباراتية الاثيوبية في توجيه بعض التحركات للاضرار بالعلاقة المصرية السودانية وهى تدفع ملايين الدولارات من اجل الفتنة بين البلدين.
لقد ظلت منطقة شرق السودان، ولا سيما ولايتا كسلا والقضارف، محل اهتمام أطراف إقليمية تسعى إلى التأثير في تركيبتها الاجتماعية والأمنية. ومن المعلومات التي أطرحها للنقاش أن نشاطاً منسوباً إلى المخابرات الإثيوبية استهدف، على مدى سنوات، إبعاد العناصر العربية عن المنطقة – مصر سوريا فلسطين – ، من خلال إثارة الشكوك والبلبلة حول وجود السوريين والمصريين، وتصوير بعضهم باعتبارهم عناصر استخباراتية تتخفى في صورة تجار للأثاث. كما جرى، وفق هذه المعلومات، ترويج ادعاءات عن مجيء المصريين والفلسطينيين إلى الولايتين لأغراض تتعلق بنسائهم وهتك اعراضهم، وهي مزاعم من شأنها إثارة العداء الاجتماعي وتأليب المواطنين على تلك مجموعات. وحقيقة نجحت المخابرات الاثيوبية اذ جعلت الكراهية وعدم التعامل مع الوجود العربي هناك.
إن خطورة مثل هذه الأساليب، الوقائع المتعلقة بها، لا تكمن في مضمون الشائعات وحده، وإنما في قدرتها على خلق بيئة اجتماعية معادية، وتبرير الإبعاد والاستهداف، وتهيئة الظروف لتحركات أمنية وسياسية أوسع.
وتتصل بهذه الصورة معلومات عن إدخال عناصر من اثيوبيا إلى السودان وإبعاد آخرين، وعن تصفية معارضين اثيوبين في ولايتي كسلا والقضارف. وهي وقائع موثقة معروفة بالذات فى موسم الزراعة والحصاد، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عليها من تهديد لاستقرار شرق السودان وسيادة الدولة السودانية مع العلاقة الازلية المصرية.
ومع اندلاع تمرد مليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، دخلت المنطقة مرحلة أكثر تعقيداً. وتفيد المعلومات التي أطرحها بأن المخابرات الإثيوبية عملت على تجنيد أعداد من الشباب المنتمين إلى الجنجويد، مع تعزيز وجودها في منطقة المثلث والمناطق الحدودية المتاخمة لمصر. ان هذا الوجود، يثير أسئلة خطيرة بشأن أهداف هذا النشاط وانعكاساته على الأمن القومي السوداني والمصري.
أما ما أُثير بشأن مقتل جنود وضباط مصريين في كمائن بمناطق التعدين فى الاشهر السابقة، ومقتل المعدّنين السودانيين على الحدود المصرية، ومقتل مصريين بالخرطوم – رحمهم الله رحمة واسعة – فإنه يستوجب تحقيقاً جاداً يكشف ظروف هذه الحوادث والجهات المسؤولة عنها، ويحدد ما إذا كانت بينها صلات تنظيمية أو تخطيطية مخابراتية.
إنني، من واقع عملي السابق في الشرطة ومعرفتي بطبيعة العمل الأمني، أؤكد أن مناطق التعدين تحتاج إلى اهتمام استثنائي، وأن وجود أعداد كبيرة من المنقبين دون منظومة فعالة لتسجيلهم والتحقق من هوياتهم يجعل عمليات المتابعة الأمنية أكثر صعوبة. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء قاعدة بيانات وبطاقات تعريف للمنقبين عن الذهب، مع تقدير الأعداد التي قد تصل إلى ثلاثة ملايين منقب، وفق المعلومات المتداولة التي تحتاج إلى إحصاء رسمي دقيق.
إن أمن السودان ومصر مترابط متداخل، وأي اختراق أمني في هذه المنطقة لا ينبغي التعامل معه باعتباره شأناً محلياً محدوداً. المطلوب هو تحقيقات مهنية، وتبادل للمعلومات، ومراقبة فعالة للحدود، وكشف كل نشاط يهدد سيادة الدول وسلامة المواطنين.
وأترحم على أرواح المعدّنين السودانيين والسائقين المصريين الذين فقدوا حياتهم على الحدود المصرية، كما أترحم على كل من سقط من العسكريين والمدنيين نتيجة هذه الأحداث. فدماء الضحايا أمانة تستوجب كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، ومنع تكرار المآسي.
إنني لا أطرح هذه المسائل باعتبارها مجرد خلافات سياسية، وإنما باعتبارها قضايا أمن قومي تستحق التحقيق الجاد وكشف الحقائق. فحماية السودان ومصر تبدأ بمعرفة ما يجري على حدودهما، وتحديد الجهات المسؤولة عن أي اختراق، وعدم السماح للشائعات أو المصالح الإقليمية بأن تحجب الحقيقة عن الشعبين.
*العميد حقوقي م/ عبدالشكور حسن أحمد حامد*




