
إعداد: سارة صديق
في ولاية الجزيرة، لا تبدو معركة التعافي الاقتصادي مجرد محاولة لاستعادة ما دمرته الحرب، بل اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الحكومية على إعادة بناء دورة الإنتاج، وتحويل الموارد الزراعية والصناعية إلى قيمة اقتصادية تسهم في تحسين الأوضاع المعيشية وخلق فرص العمل.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة بولاية الجزيرة، بقيادة الوزير عاطف محمد إبراهيم أبو شوك، بوصفها أحد الأطراف الحكومية المعنية بتهيئة البيئة المالية والاستثمارية لإعادة تشغيل المصانع واستعادة النشاط الصناعي، في ولاية ظلت تمثل إحدى أهم القواعد الإنتاجية في السودان.
من آثار الحرب إلى تحديات إعادة البناء
تعرّض القطاع الصناعي بالجزيرة خلال الحرب لأضرار طالت المناطق الصناعية ومعداتها وشبكات الخدمات الأساسية، الأمر الذي انعكس على قدرة عدد من المنشآت على مواصلة الإنتاج، وألقى بظلاله على العمالة
وسلاسل الإمداد والأسواق المحلية.
وفي فبراير 2025، ناقشت وزارة المالية بالولاية مع غرفة الصناعة ترتيبات إعادة تأهيل وتشغيل المصانع في مناطق مارنجان وفداسي وشرق مدني، وشملت المناقشات توثيق الأضرار، وتنسيق الجهود مع وزارة المالية الاتحادية لتوفير تسهيلات إحلال الآليات المتضررة، إلى جانب معالجة احتياجات الكهرباء وتأمين المناطق الصناعية.
وتكشف هذه الخطوات أن التحدي لا يقتصر على إعادة فتح أبواب المصانع، وإنما يمتد إلى توفير التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج، واستعادة الثقة لدى أصحاب الأعمال والمستثمرين.
عاطف أبو شوك.. الصناعة في صدارة الأولويات الاقتصادية
تضع التحركات التي شارك فيها وزير المالية عاطف أبو شوك ملف الصناعة ضمن أولويات التعافي الاقتصادي بالولاية، من خلال العمل على تطوير سلاسل القيمة المضافة وتشجيع الاستثمار ومعالجة العقبات التي تواجه أصحاب المصانع.
وفي 15 أكتوبر 2026، شارك الوزير في جولة ميدانية قادها والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير إلى عدد من المنشآت الصناعية بمنطقة مدني الكبرى وفداسي، للوقوف على واقع المصانع والتحديات التي تواجه استعادة نشاطها.
وخلال الجولة، جرى استعراض أوضاع مصانع تعمل في مجالات العوازل والمنتجات البلاستيكية والصناعات الحديدية والتقاوي، كما طرح ممثلو القطاع الصناعي تحديات تتعلق بالإمداد الكهربائي والوقود، باعتبارهما من المتطلبات الأساسية لاستقرار الإنتاج.
وأكد أبو شوك التزام وزارة المالية بتطوير سلاسل القيمة المضافة وتشجيع الاستثمار، في اتجاه يربط السياسة المالية بالقطاعات الإنتاجية، بدلاً من حصر دورها في إدارة الإيرادات والمصروفات.
المصانع.. من استعادة النشاط إلى توطين الإنتاج
تمثل المنشآت التي شملتها الجولة الميدانية نماذج مختلفة للفرص الصناعية المتاحة في الولاية.
فمصنع «سودا فوم» للمنتجات البلاستيكية والعوازل يعمل في مجال إنتاج ألواح العزل الحراري والفايبر، وأوضح مديره العام أن الطاقة الإنتاجية للمصنع تبلغ ثلاثة آلاف لوح عازل حراري و1750 لوح فايبر يومياً.
أما مصنع «ذات العماد» للصناعات الحديدية، فيمثل أحد المشروعات التي يمكن أن تسهم في توفير منتجات يحتاج إليها قطاع البناء والتشييد، في وقت تتزايد فيه احتياجات إعادة التأهيل والإعمار.
وتبرز أهمية هذه المنشآت في قدرتها المحتملة على تقليل الاعتماد على بعض المنتجات المستوردة، وتوفير فرص عمل، وربط الصناعة بالطلب المحلي، شريطة توافر الطاقة والتمويل واستقرار مدخلات الإنتاج.
المدن الصناعية.. رهان على اقتصاد متنوع
لا تتوقف الرؤية المطروحة أمام حكومة الولاية عند إعادة تشغيل المصانع القائمة، إذ تتجه الخطط المعلنة إلى إنشاء مدن صناعية متخصصة تستوعب استثمارات جديدة في قطاعات الصناعات الغذائية والتحويلية والنسيجية والدوائية والبتروكيميائية.
وفي 28 أكتوبر 2026، أكد والي الجزيرة توجه حكومته نحو إنشاء هذه المدن، مشيراً إلى أهمية الاستفادة من الإنتاج الزراعي والحيواني في توسيع قاعدة التصنيع المحلي وتعظيم القيمة المضافة.
وفي الاجتماع ذاته، أوضح وزير المالية عاطف أبو شوك أن العمل يجري وفق رؤية استثمارية تستهدف معالجة الاختلالات وتذليل الصعوبات أمام المستثمرين، فيما تحدثت مفوضية الاستثمار عن إعداد خطة لتهيئة البيئة
الاستثمارية وتسهيل الإجراءات.
وتحمل هذه الخطط أهمية اقتصادية خاصة لولاية الجزيرة، التي تمتلك قاعدة زراعية واسعة يمكن أن تشكل مصدراً للمواد الخام اللازمة للصناعات الغذائية والتحويلية، بما يتيح الانتقال التدريجي من تسويق المنتجات في صورتها الأولية إلى تصنيعها وتسويق منتجات ذات قيمة أعلى.
مصنع سكر الجنيد.. اختبار البنية التحتية
يظل ملف مصنع سكر الجنيد أحد الملفات المهمة في مسار استعادة النشاط الصناعي بالولاية، بالنظر إلى ارتباطه بالإنتاج الزراعي والعمالة وحركة النشاط الاقتصادي في المناطق المحيطة به.
وفي 27 أكتوبر 2026، بحثت وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب مع والي الجزيرة ترتيبات إعادة تشغيل المصنع، مع التركيز على استكمال مطلوبات تشغيل البيارة الرئيسية، إلى جانب معالجة تحديات الكهرباء في المدن الصناعية.
وتوضح هذه التطورات أن إعادة تشغيل المصانع لا تقع مسؤوليتها على وزارة المالية وحدها، بل تتطلب تنسيقاً بين حكومة الولاية والوزارات الاتحادية ومفوضية الاستثمار والقطاع الخاص والجهات المعنية بالطاقة والخدمات.
بين الخطط والنتائج.. ما الذي ينتظره القطاع الصناعي؟
على الرغم من تعدد التحركات والاجتماعات والجولات الميدانية، فإن المعيار الحقيقي لنجاح جهود الإعمار سيظل مرتبطاً بالنتائج التي يمكن قياسها على أرض الواقع.
وتشمل هذه النتائج عدد المصانع التي عادت إلى الإنتاج، وحجم الاستثمارات التي دخلت مرحلة التنفيذ، وفرص العمل التي جرى توفيرها، ومدى انتظام الكهرباء والوقود، وقدرة المنشآت على الحصول على التمويل ومدخلات الإنتاج.
كما تبرز الحاجة إلى وضع برنامج واضح لإعادة تأهيل المناطق الصناعية، يتضمن أولويات محددة وجداول زمنية ومصادر تمويل معلنة، مع إتاحة المعلومات للرأي العام وأصحاب المصانع بشأن ما تحقق وما لا يزال قيد التنفيذ.
وبالنسبة لوزارة المالية بقيادة عاطف أبو شوك، فإن التحدي يتمثل في تحويل التوجهات الاستثمارية إلى أدوات مالية وتنفيذية قادرة على إحداث تغيير ملموس في واقع الصناعة، مع المحافظة على التوازن بين متطلبات الإعمار والالتزامات المالية والاجتماعية للولاية.
الجزيرة.. من ولاية منتجة إلى قاعدة صناعية
إن استعادة الدور الصناعي لولاية الجزيرة ترتبط بقدرتها على الجمع بين الزراعة والصناعة والاستثمار، وتوفير بيئة تسمح بتحويل الإنتاج الزراعي إلى صناعات ذات قيمة مضافة، وتمنح القطاع الخاص مساحة للمشاركة في إعادة البناء.
وتوفر التحركات التي تقودها حكومة الولاية، بمشاركة وزارة المالية ومفوضية الاستثمار، بداية لمسار يستهدف إعادة تنشيط القطاع الصناعي. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهناً بمدى الانتقال من مرحلة الخطط والالتزامات إلى مرحلة التشغيل الفعلي والإنتاج المستدام.
فإعمار الصناعة في الجزيرة ليس مجرد استعادة لمصانع توقفت، بل خطوة أساسية نحو استعادة فرص العمل وتحريك الأسواق وتعزيز الموارد الاقتصادية، ووضع الولاية مجدداً في موقعها داخل خريطة الإنتاج السوداني.


