
ليست كل المدارس تُفتح، بعضها يُفتتح كأنه وطنٌ صغير يعود من المنفى.
حين أعلنت مؤسسة أبوذر الكودة التعليمية عن افتتاح فروعها المتكاملة في مدينة بحري – من رياض الأطفال حتى المرحلة الثانوية – لم يكن الخبر مجرد إعلان أكاديمي، بل كان بيان عودة، وشهادة ميلاد جديدة لمدينةٍ ظلت طويلاً خط تماسٍ للنار.

بحري ليست مدينة عادية. هي ذاكرة الخرطوم، هي العراقة التي تمشي على قدمين. وحين تختار مؤسسة بحجم أبوذر الكودة – المؤسسة التي تدير 65 مدرسة وتحتضن 70 ألف طالب وطالبة، والتي حصدت 12 مقعداً ضمن المائة الأوائل في الشهادة السودانية 2022، وأهدت السودان المركز الثاني بنسبة 96.4% في شهادة 2024، واكتسحت قائمة أوائل الشهادة المتوسطة بـ15 تلميذاً من أصل 21 في أم درمان – حين تختار هذه المؤسسة أن تفتح أبوابها كاملة في بحري، فالمعنى أبعد من التعليم.

معنى أن تفتح المدرسة في بحري..
المدارس لا تُفتح في المدن الخائفة. المدارس تُفتح حيث يستقر القلب. افتتاح منظومة متكاملة – روضة، ابتدائي، متوسط، ثانوي – في بحري هو إعلان غير مباشر أن المدينة تجاوزت طور الطوارئ إلى طور البناء. هو رسالة طمأنة لكل أسرة نازحة عادت: ابنكم لن يتنقل بعد اليوم، رحلته من أول حرف إلى آخر سطر في الشهادة السودانية ستكون هنا، تحت سقف واحد، وبرؤية عميقة

لماذا أبوذر الكودة ليست مجرد مدرسة؟*
التفوق ليس صدفة. حين يحرز 270 تلميذاً أكثر من 270 درجة في شهادة واحدة، وحين يحصد 17 تلميذاً 279 درجة، وحين تكرم المؤسسة أوائلها بأطقم الذهب – كما فعلت مع الأولى على السودان تقى النور محمد بنسبة 97.7% – فأنت أمام فلسفة، لا أمام مبنى.
فلسفة تقول: المعلم قيمة، والانضباط عبادة، والتفوق صناعة. هذه المؤسسة لم تكن تبيع تعليماً، كانت تصنع قدوات. وفي زمنٍ انهار فيه التعليم العام بفعل الحرب، كانت هي تحاول أن تحمل الدولة على كتفيها.
بحري تستحق..
أهل بحري الذين صبروا على التهجير والانقطاع والمدارس المؤقتة، يستحقون أكثر من مجرد فصل دراسي. يستحقون مؤسسة تعيد لأبنائهم هيبة المنافسة. واليوم، حين يفتح باب التسجيل في أبوذر الكودة – بحري، فإن الذي يفتح ليس باب مدرسة، بل باب أمل.
أن تدرس في بحري اليوم، معناه أنك قررت أن تبقى. وأن تفتح مدرسة في بحري اليوم، معناه أنك قررت أن تبني مع الباقين.
تحية لمؤسسة أدركت أن التعليم ليس خدمة، بل هو مقاومة. ومقاومة راقية.




