
ليست القنواتُ أجهزةً تبث، بل أرواحٌ تتنفس، وإنما تُقاس القناة بروح من يديرها، فإن كان بليداً ركدت، وإن كان وثاباً جرت.
ولقد مرت على قناة النيل الأزرق مواسمُ عجاف، تقلبت فيها بين مدّ وجزر، حتى ظنها البعض أثراً بعد عين، وذكرى تلوح في أفق إعلامٍ أثخنته الحرب وبددته المنافي. فالشاشة التي كانت يوماً بيت السودانيين الجامع، وصحنهم الذي يجتمعون عليه، ومسرح أفراحهم ومآتمهم، انزوت قليلاً، لا عن ضعفٍ في الأصل، بل عن قسوةٍ في الظرف.
ثم جاءها عمار شيلا.
لم يأتِ عمار شيلا إلى إدارة النيل الأزرق محمولاً على إرثٍ، ولا متكئاً على نسبٍ وظيفي، بل جاء شاباً يحمل في صدره قلب مخرج، وفي عقله خريطة إعلامي، وفي يده جرأة من يعرف أن الزمن لا ينتظر المترددين.
شيلا ليس مديراً بالمعنى البيروقراطي للكلمة، التي تعني التوقيع والختم وتنظيم الاجتماعات. هو دينامو تحريري، يفكر كصانع محتوى، ويتصرف كقائد ميدان. يدرك أن المشاهد السوداني اليوم ليس ذلك المشاهد الأسير لقناةٍ واحدة، بل هو مشاهدٌ طيار، يملك في جيبه ألف شاشة، ولن يبقى إلا لمن يقنعه.
ما فعله عمار شيلا يمكن تلخيصه في كلمةٍ واحدة: أعاد تعريف القناة.
بعد أن كانت أسيرة الماضي – أغاني وأماني – حولها إلى قناةٍ تواكب الراهن دون أن تخون ذاكرتها. أعاد لها وظيفتها الأولى: أن تكون مرآة السودان لا متحفه.
ففي عهده، عادت النشرات بلهجةٍ رصينة لا تصرخ، وعادت البرامج الحوارية بضيوفٍ يقولون لا يجاملون، وعادت الدراما السودانية إلى واجهة الشاشة بعد أن هجرتها القنوات. والأهم من ذلك كله، أعاد الشباب إلى مفاصل القناة، فترى المذيع ابن العشرين يجاور الخبير ابن الستين، في توليفةٍ بصرية تقول: هذا السودان الجديد، لا يقطع مع قديمه، ولا يخاف من جديده.
إن إدارة قناة فضائية في زمن السلم مهمةٌ صعبة، فكيف بإدارتها في زمن الحرب، حيث انقطعت الكهرباء، وتفرق الطاقم بين العواصم، وضاعت الأرشيفات؟
هنا تظهر معادن الرجال. لم يهرب شيلا بالشعار إلى الخارج، بل نقل المعركة إلى هناك. جعل من القاهرة وبورتسودان وكمبالا استديوهاتٍ متنقلة، وأبقى النهر أزرقاً يجري رغم العطش. حافظ على القناة من الإغلاق، ومن الابتزاز، ومن السقوط في فخ الخطاب الواحد. فبقيت النيل الأزرق قناة كل السودانيين، لا قناة فئة، ولا صوت جهة. وهذه وحدها بطولةٌ تحسب له.
قناة النيل الأزرق اليوم ليست في أفضل حالاتها المطلقة، ولكنها بلا شك في أفضل حالاتها الممكنة. وهذا هو تعريف النجاح في علم الإدارة: أن تفعل الممكن بكفاءةٍ عالية في زمن المستحيل.
عمار شيلا لا يدير قناة فحسب، بل يرمم ذاكرةً وطنية. يعيد للسوداني في المنفى نافذة يطل منها على بيته، ويعيد للسوداني في الداخل لحظة فرحٍ مسروقة من قلب الحرب.
لقد أثبت هذا الشاب أن الإعلام ليس عمراً، بل عقلية، وأن القيادة ليست منصباً، بل رؤية. وأن النيل الأزرق، مهما اعترضته السدود، سيظل يجد طريقه إلى البحر.
فسلامٌ على النهر حين يجري، وسلامٌ على من أجراه.




