الاخبار

“ولاية الجزيرة تخفض أسعار الطاقة بنسبة تصل إلى 37% في اختبار حقيقي لاقتصاد الحرب

ودمدني :- تاج السر ودالخير

في مفارقة اقتصادية صارخة، تتحدى ولاية الجزيرة السودانية كافة المعادلات التقليدية للعرض والطلب في زمن الحرب، معلنة عن موجة تخفيضات غير مسبوقة في أسعار الطاقة للمرة الثانية خلال أيام، لكن هذه المرة بحجم زلزالي. إذ كشف قرار اليوم عن خفض سعر أسطوانة غاز الطهي (زنة 12.5 كجم) من 107 آلاف جنيه إلى 85 ألفًا، مع سعر مستودع يبلغ 79 ألفًا، إلى جانب هبوط حاد في سعر لتر الجازولين إلى 8,941 جنيهًا، مسجلاً تراجعًا يتجاوز 37% مقارنة بالتسعيرة السابقة البالغة 14,265 جنيهاً. هذا القرار، الذي يضع وزير المالية عاطف إبراهيم أبوشوك ومدير إدارة البترول المكلف بدر الدين حسين الضو في صدارة مشهد اقتصادي استثنائي، لا يمثل مجرد تعديل رقمي، بل يعلن عن ولادة نموذج تسعيري جديد يتحدى منطق الأسواق في وسط يعصف به الغلاء، ويطرح تساؤلات جذرية حول كواليس التمويل واستدامة الدعم في ظل اقتصاد منهك.

يكمن العمق التحليلي لهذا القرار في توقيته وحجمه، فبينما كانت التخفيضات السابقة (من 67.8 إلى 64 ألفاً لوحدات أخرى، ومن 15.210 إلى 14.656 جنيهاً للبنزين) تحمل طابعاً تدريجياً وهامشياً يعكس إدارة حذرة للمخاطر، يأتي الإعلان الجديد وكأنه «صدمة سياساتية» متعمدة، تقطع مع منطق التدرج وتنتقل إلى مرحلة إعادة هيكلة شاملة للتسعير. هذا الهبوط الحاد في أسعار المشتقات النفطية، والذي يتزامن مع ارتفاع أسعار الشراء من المستودعات المركزية في بورتسودان كما أقرت الإدارة سابقاً، يُفهم في سياق واحد فقط: أن ولاية الجزيرة قررت استيعاب فارق التكلفة بالكامل عبر تضييق هوامش الربح في حلقات التوزيع، وتوجيه وفورات ضريبية كبيرة، وربما إعادة توزيع أعباء الإعانات التي كانت تذهب سابقاً لدعم المجهود الحربي، لتصبح معادلة التعويض هذه هي السر الخفي وراء الاستمرار في سياسة الهبوط رغم اشتعال تكاليف النقل والخدمات اللوجستية من الشرق إلى قلب السودان.

لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن التحول الجذري في فلسفة ميزانية 2025، التي كانت ولا تزال تتبنى نهج “اقتصاد المقاومة”، حيث تحولت الولاية التي تمثل 60% من القاعدة الصناعية السودانية إلى مختبر حقيقي لإدارة الأزمات. فالتخفيض الحالي لا يستهدف فقط التخفيف عن المواطن في مواجهة تضخم مستعر، بل يسعى لإعادة تشغيل عجلة الصناعة والنقل التي تعتمد كثافة على الوقود، وهي الصناعات التي دمرت بنيتها التحتية خلال الحرب ثم أعيد بناؤها بكفاءة عبر الطاقة الشمسية والخطط الطارئة. إن خفض تكلفة مدخلات الإنتاج بهذا الشكل الجذري يعني إعادة ضخ حياة جديدة في القطاع الإنتاجي، وتحويل عبء الطاقة من عنصر خانق إلى حافز للنمو، وذلك بالتزامن مع تشديد العقوبات على المخالفين للتسعيرة، في رسالة مفادها أن هذه السياسة ليست عرضاً بل إلزاماً سيتم تطبيقه بقوة القانون لحماية المستهلك ومنع المضاربة التي تفسد أي تدخل حكومي.

يتجاوز التحليل العميق لهذه الخطوة البعد المحلي، ليضعها في سياق الصراع الاقتصادي الكلي في السودان، حيث تعاني بقية الولايات من موجات ارتفاع متتالية تعكس تدهور العملة وتكلفة النقل. وبينما تستمر أزمة السيولة وتزايد كتلة النقد في التهام القوة الشرائية، تقدم الجزيرة نموذجاً معاكساً يقوم على خفض الأسعار الاسمية في وقت تتصاعد فيه الأسعار في كل مكان، وهو ما يكشف عن وجود هامش كبير من المرونة المالية والرقابية يمكن استغلاله في حال توفرت الإرادة السياسية والحوكمة الرشيدة. لكن هذا النموذج يحمل في طياته سؤالاً وجودياً حول القدرة على الاستمرار: هل تستطيع الولاية تحمل فارق التكلفة الفعلي بين سعر المستودع (79 ألفاً للأسطوانة) وسعر البيع النهائي (85 ألفاً) في ظل تقلبات سعر الصرف وانقطاع الإمدادات؟ أم أن هذا القرار هو بمثابة «ورقة ضغط» سياسية واقتصادية تهدف لكسب ثقة المواطن وتحفيز النشاط التجاري، على أن يتم تعديله فور استقرار الأوضاع الأمنية أو تغير أولويات الإنفاق المركزي؟

يبرز هنا الدور المحوري الذي يلعبه وزير المالية أبوشوك، والذي يبدو أنه يمضي في استراتيجية “التسعير الموجّه” التي تعتمد على تدخل حكومي غير تقليدي في السوق. وتحاول الإدارة تضييق هذه الفجوة عبر التهديد بالمساءلة القانونية، مما يشير إلى أن الولاية مستعدة لخوض معركة شرسة ضد جيوب الاحتكار والتهريب، معتبرة إياها المعركة الثانية بعد معركة الاستقرار الأمني.

عليه لا يمكن النظر إلى تخفيضات ولاية الجزيرة بوصفها تدابير عابرة أو مجرد استجابة لتقلبات السوق، بل هي بمثابة بيان اقتصادي سياسي واضح المعالم: ففي وقت تحاول فيه الحكومة المركزية امتصاص صدمات الصرف وتداعيات الحرب، تعلن الجزيرة استقلالها النسبي في رسم سياساتها السعرية، مؤكدة أن استقرار الأمن والصناعة يمكن أن ينتج معادلة نقدية مغايرة لما تشهده بقية ربوع البلاد. هذه المغامرة المدروسة، والتي تخفض أسعار الطاقة في وقت ترتفع فيه تكاليف الاستيراد من بورتسودان، تعكس استعداد السلطة المحلية لتقديم دعم تصاعدي للمواطن على حساب مدخرات التنمية أو بنود الإنفاق الأخرى، وهو خيار سياسي يحمل أبعاداً بعيدة المدى، إذ يربط بين استقرار الأسعار والاستقرار الاجتماعي في معادلة واحدة صارمة.

غير أن النظرة الاستشرافية لهذا التوجه تحتم التساؤل حول جدوى هذا النموذج في ظل غياب الاحتياطي النقدي الكافي واستمرار انهيار قيمة العملة الوطنية، مما يعني أن الثمن الحقيقي لهذا التخفيض قد يظهر لاحقاً في شكل عجز في الميزانية المحلية أو تراجع في جودة الخدمات الأساسية. لكن الجرأة التي تتحلى بها وزارة المالية بالولاية تشير إلى رهان واضح على أن تحفيز الإنتاج الصناعي والزراعي عبر خفض تكاليف الطاقة سيخلق قيمة مضافة تفوق تكلفة الدعم، وأن إحياء المصانع التي تمثل أكثر من نصف الناتج القومي سيعوض أي خسائر مؤقتة في الإيرادات الضريبية المباشرة. إنها مقامرة بحسابات معقدة، تضع الجزيرة في موقع الريادة الاقتصادية غير المسبوقة، وتجعل منها مادة دسمة للتحليل في أروقة المؤسسات المالية الدولية التي تراقب عن كثب كيفية إدارة الاقتصاد في مناطق النزاع.

وفي نهاية المطاف، يظل هذا القرار المزدوج (تخفيض الغاز والجازولين) بمثابة ضوء أخضر للقطاع الخاص والنقل، يبعث برسالة طمأنة مفادها أن الدولة لا تزال قادرة على أداء دورها كـ”مزود أمان” حتى في أحلك الظروف. لكن نجاح هذه السياسة مرهون بالتحكم في سلسلة التوريد ومنع التسرب نحو المناطق الأخرى التي تعاني من الغلاء، وإلا فإن نجاحها المحلي قد يتحول إلى كارثة بإغراق السوق الموازي بالتهريب. الجزيرة اليوم تخط مستقبلها بيد من حديد، وتكتب فصلاً جديداً في اقتصاد الحرب السوداني، ليس باعتبارها ولاية تتعامل مع الأزمة، بل باعتبارها تختبر نظرية اقتصادية لم تطبق من قبل في مثل هذه الظروف: أن الإنفاق الداعم للطاقة، إذا تمت إدارته بحوكمة صارمة، قد يكون المحفز الأكبر للانتعاش، وأن السعر هو السلاح الأخير للحكومة في معركتها ضد التضخم، حتى لو كان هذا السعر يتعارض مع منطق السوق. الزمن وحده، ومؤشرات التضخم في الأشهر القادمة، سيكشفان ما إذا كانت هذه التخفيضات هي بداية مسيرة تعافي أم مجرد ومضة أمل في نفق معتم، لكنها بلا شك ومضة تستحق أن يُكتب عنها التاريخ الاقتصادي للسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى