
حين صمتت المدائن تحت وطأة الحرب، وغابت أصوات كثيرة عن المشهد، ظلت قناة الخرطوم شاهداً على أن الإعلام رسالة لا تُطفأ. لم تكن عودتها صدفة، بل كانت قراراً شجاعاً اتخذه مديرها *د. يونس الناير*، فأعاد لها النبض رغم شح الموارد وقسوة الظروف، ليؤكد أن صوت العاصمة لا يُسكت، وأن ذاكرة الوطن لا تُمحى.
د. الناير لم يكتفِ بإعادة البث، بل أعاد الثقة. في لحظة كان فيها الجميع يبحث عن ملاذ آمن للخبر، فتحت قناة الخرطوم شاشتها لتكون ملجأ للمواطن. نقلت معاناة الناس، وثّقت صبرهم، وأبرزت صور التكافل التي صنعتها المحن. لم تنجرف إلى التهويل، ولم تهرب من الحقيقة، بل وقفت في المنتصف: صوتاً للوطن، ومرآة للوجع، ونافذة للأمل.
ما يميز هذه المرحلة من عمر القناة أنها لم تتعامل مع الحرب كعائق، بل كدافع. فوسط انقطاع الكهرباء وتشتت الكوادر، ظل فريق العمل متمسكاً برسالة الإعلام المحلي: أن يكون قريباً من الإنسان قبل أن يكون قريباً من الحدث. ومن هنا جاءت البرامج الخدمية، والرسائل الميدانية، والتغطيات التي تخاطب همّ الناس مباشرة، من رغيف الخبز إلى ماء الشرب، من أمن الحي إلى عودة الحياة.
جهود د. الناير لم تكن إدارة تقنية فحسب، بل كانت موقفاً أخلاقياً. موقف يقول إن للإعلام دوراً لا يقل عن دور الجندي في الميدان، فكلاهما يدافع عن الوطن بطريقته. الأول بالسلاح، والثاني بالكلمة الصادقة التي تحفظ تماسك المجتمع.
قناة الخرطوم اليوم ليست مجرد قناة محلية. هي إعلان بأن السودان، رغم جراحه، قادر على البث، قادر على الكلام، قادر على أن يحكي حكايته بنفسه قبل أن يرويها الآخرون. وهي شهادة بأن الرجال الذين يؤمنون برسالة الإعلام لا تنكسر عزائمهم حتى وإن انقطع التيار.
في زمن الحرب، لا يكفي أن نصمت وننتظر السلام. لا بد من صوت يسبق السلام ويهيئ له الطريق. وهذا ما فعلته قناة الخرطوم بقيادة د. يوسف الناير: كانت الصوت الذي سبق السلام.




