منوعات

فاطمة حافظ تكتب : مقاربات بين الأديب العالمي الطيب صالح والكاتب الإريتري هاشم محمود

ثمة ضفتان للنيل، وثمة ضفتان للسرد. على إحداهما جلس *الطيب صالح* يكتب عن كرمكول وود الريس و “موسم الهجرة إلى الشمال”، وعلى الأخرى جلس *هاشم محمود* يروي عن إرتريا وذاكرة المنفى وأزقة المدن التي لا تنام.
يفرق بينهما جغرافيا المكان، وتجمعهما جغرافيا المعنى: أن يكون الكاتب شاهداً على انكسارات وطنه، ومترجماً لصمت أهله بلغةٍ لا تشبه أحداً.

*1. النهر والمنفى: الوطن كسؤال*
عند الطيب صالح، النيل ليس ماءً فقط. هو الذاكرة، هو الهوية، هو المرآة التي ينظر فيها الغرب إلى الشرق وينظر الشرق إلى نفسه. “موسم الهجرة” كان سؤالاً كونياً عن علاقة المركز بالهامش، وعن رجلٍ عاد من لندن ليغرق في طين قريته.

وعند هاشم محمود، المنفى هو النهر. منفى الجسد من إرتريا، ومنفى الروح في السودان. يكتب عن الغربة لا كحالة فردية، بل كقدرٍ جماعي. في رواياته وقصصه، يصبح المخيم والشارع والقهوة مساحةً لاستعادة الوطن المفقود.
كلاهما جعل من “الغياب” بطلاً لروايته. الأول غاب في الشمال وعاد، والثاني غاب عن الوطن وظل يكتبه.

*2. اللغة: فصاحة البادية وبلاغة المدينة*
لغة الطيب صالح كانت معجزة. جمع بين جزالة العربية الفصحى وإيقاع العامية السودانية. يكتب الجملة كأنها بيت شعر، ثم يكسرها بضحكة من أهل القرية. لغةٌ مترعة بالصوفية، بالحكمة، بالسخرية النبيلة.

وهاشم محمود يكتب بلغةٍ أخرى من نفس النهر. لغة رفيعة لكنها قريبة. يكتب عن البسطاء دون أن يستعلي عليهم، وعن المثقفين دون أن يجلدهم. في شعره الغنائي الذي تغنى به سيف الجامعة ومجذوب أونسة ومبارك محمد علي، وفي سرده الروائي، نجد ذات المزج: عمق الفكرة وبساطة التعبير.
كلاهما يؤمن بأن الأدب الحقي لا يخاطب النخبة فقط، بل يخاطب “الحبوبة” التي تجلس أمام الدوكة.

*3. التاريخ والأسطورة: إعادة كتابة الذاكرة*
الطيب صالح لم يكتب تاريخاً، بل كتب أسطورة التاريخ. حوّل شخصيات بسيطة إلى رموز كونية. مصطفى سعيد ليس فرداً، هو صراع الحضارات. وود الريس ليس شيخاً، هو سلطة التقاليد.

وهاشم محمود يفعل الشيء ذاته مع ذاكرة إرتريا. يعيد كتابة النضال، والهجرة، والمقاومة، لا كوثائق، بل كحكايات إنسانية. يجعل من الجندي واللاجئ والعازف أبطال ملحمة لا تنتهي.
كلاهما يعرف أن الشعوب لا تحيا بالتواريخ الرسمية، بل بالحكايات التي تُهمس في المساء.

*الخاتمة: جسرٌ فوق البحر الأحمر*
إذا كان الطيب صالح هو صوت السودان الذي خاطب العالم، فإن هاشم محمود هو صوت إرتريا الذي خاطب السودان والعالم معاً.
الأول فتح الباب للرواية العربية كي تخرج من المحلية إلى العالمية، والثاني يفتح الباب لرواية القرن الإفريقي كي تجد مكانها في الخريطة الأدبية.

بينهما تقاطعات لا تنتهي: في حب الأرض، في ألم الفراق، في الإيمان بأن الكلمة يمكن أن تكون وطناً بديلاً.
ربما لم يلتقيا، لكن نصوصهما التقت. التقت على ضفة واحدة اسمها: “الإنسان الذي لا يريد أن ينسى”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى