
في مدينة ود مدني، حيث تعانق الحقول مجرى النيل، ويمضي الوجع جنباً إلى جنب مع الصبر، يتردد اسم صار أشبه بترنيمة على ألسنة الناس: *”مستر آدم”*.
ليس لقباً وظيفياً أُلصق ببطاقة، بل وسام محبة منحه أهل المدينة لطبيب اختار أن تكون مهنته رسالة، وأن يكون حضوره بلسماً قبل أن يكون علاجاً. هو *اختصاصي الجراحة العامة* الذي حوّل غرفة العمليات إلى محراب للإنسانية، وجعل من لحظة المعاينة درساً في التواضع.
في زمن اختزلت فيه المهنة إلى أرقام وفواتير، ظل مستر آدم متمسكاً بحقيقة بسيطة وعميقة: أن المريض قبل أن يكون “حالة” هو إنسان يحمل خوفاً وأملاً. يدخل عليه المريض واجفاً فيخرج مطمئناً، لا تبدأ مقابلته بسؤال عن المال، بل بسؤال عن النوم وعن الحال. صوته هادئ يسبق مشرطه، ويده ثابتة في الجراحة، وقلبه أثبت من كليهما. ولذلك قالت عنه ود مدني: “إن لم يعالجه، جبر خاطره”.
وفي أيام الحرب والنزوح، حين ضاقت المستشفيات وقلّت الإمكانيات، كان من الثابتين. أجرى عمليات في ظروف لا تليق بكرامة الإنسان، بضوء خافت وأدوات ناقصة، لكن بعزيمة لا تعرف الانكسار. ويروي عنه من عاصروه أنه أوقف عملية ليستقبل حالة طارئة لطفل من أسرة نازحة لا تملك ثمن الدواء، وقال لطاقمه كلمة صارت منهجاً: “نعالجوه أول.. والحساب عند الله”. ويروون أنه زار مريضاً في داره بعد الخروج، لا لحاجة طبية، بل ليطمئن أن الجرح يندمل وأن الخوف قد انزاح.
لم يفرق يوماً بين صاحب واسطة ومعدم، ولا بين غني وفقير. في عيادته كان الجميع أبناء ود مدني، وكلهم أمانة معلقة في عنقه.
كجراح، ربّى أجيالاً من الأطباء على أن المهارة ليست في إتقان الغرز وحسب، بل في أن يخرج المريض من عندك وهو مصدق أنه سيشفى. كان يصر على التعقيم في زمن الفوضى، وعلى الشرح قبل أن يرفع المشرط، وعلى كلمة طيبة قبل البنج.
ما ميّز مستر آدم أنه لم يكتفِ بمداواة الجسد. كان يجبر الخواطر المكسورة بضحكة في وجه أم مرعوبة، وبيَد توضع على كتف مريض يبشره: “بسيطة إن شاء الله”. لهذا أحبه الناس، لأنهم وجدوا فيه الطبيب الذي يعالج الخوف الكامن في الروح قبل العضو المريض.
واليوم، وود مدني تتعافى من جراحها، يقف مستر آدم شاهداً على أن الإنسانية لا تحتاج إلى إمكانيات ضخمة بقدر ما تحتاج إلى قلب كبير.
هو قصة تُحكى للأجيال: أنه في زمن القسوة، كان هناك طبيب يمشي بين الناس.. يداوي، ويجبر، ويبتسم.
*تحية لمستر آدم.. طبيب الجراحة، وأب للمدينة كلها.*




