الاخبار

معاوية السقا يكتب… بصيرة بشير جموعة: عندما سبقت الرؤية القرار

في ميدان السياسة الاقتصادية، كثيراً ما تتقدم القرارات على حساب التقديرات، ويُقدم العزم على حساب العواقب. لكن قلة من أصوات العقل تُجيد قراءة المشهد قبل أن ينعقد، وتُحذر من مآلات تُصبح بعد حين واقعاً يُثقل كاهل الناس. ومن هذه القلة، برز صوت *رجل الأعمال وعراب الصناعة بالجزيرة بشير جموعة*، حين أصدر تحذيراً مبكراً لم يُصغَ إليه حينها.

فعندما صدر قرار إيقاف استيراد السلع، كان جموعة من أوائل الذين أدلوا بتصريح لـ”المحور”، وصف فيه القرار بأنه *”متعجل ولم يتم دراسته”*، مؤكداً أنه *”سيعود وبالاً على المواطن”*. لم يكن حديثه انطلاقاً من مصلحة ضيقة، بل من بصيرة رجل خَبِرَ مفاصل الصناعة والإنتاج، ويدرك أن الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، وأن الحماية لا تكون بإغلاق الأبواب قبل تهيئة الدار.

*مرتكزات البصيرة: تشخيص قبل وقوع الداء*
استند جموعة في تحذيره إلى معطيين بنيويين لا يخطئهما عاقل: *الأول*، أن المصانع الوطنية *”غير جاهزة للإنتاج”* في ظل انهيار شبه كامل لقطاع الكهرباء، فكيف يُطلب منها سد فجوة الاستيراد وهي لا تجد طاقة لتشغيل آلاتها؟ *والثاني*، كثرة *الجبايات* التي أنهكت كاهل المنتج المحلي، فجعلت تكلفة إنتاجه أعلى من المستورد حتى مع الرسوم الجمركية.

لقد قرأ جموعة المعادلة بوضوح: إيقاف الاستيراد دون توفير بدائل إنتاجية حقيقية، يعني ببساطة خلق ندرة. والندرة في اقتصاد مكشوف تعني شيئاً واحداً: *غلاء طاحن*.

*بعد شهرين.. النبوءة تتحقق*
لم تمضِ إلا أسابيع قليلة على ذلك التصريح حتى تحقق كل ما حذر منه. فقد شهدت الأسواق *ازدياداً مطرداً في الأسعار*، وبلغ الغلاء مداه حتى أرهق الأسر محدودة الدخل ومتوسطة الدخل على حد سواء. اختفت سلع، وارتفع سعر البدائل المتاحة، ولم تستطع المصانع المحلية – كما توقع – أن تملأ الفراغ. فالآلات متوقفة تنتظر الكهرباء، والمنتجون مُحاصرون بين تكلفة التشغيل الباهظة والجبايات المتعددة.

إن ما حدث ليس مصادفة، بل هو *حتمية اقتصادية*. فالقرار الذي أُريد به دعم الصناعة، أتى في بيئة غير مهيأة، فتحول من أداة حماية إلى معول هدم للقدرة الشرائية للمواطن. وهنا تتجلى قيمة البصيرة التي امتلكها جموعة: التمييز بين النوايا الحسنة والنتائج الكارثية.

*درس في صناعة القرار*
إن قصة تصريح بشير جموعة وما تلاه، يجب أن تُدرّس في أدبيات صناعة السياسات. فهي تؤكد أن *الاستماع لصوت أهل الخبرة الميدانية* ليس ترفاً، بل ضرورة. وأن القرارات الكبرى، خاصة تلك التي تمس قوت الناس، تحتاج إلى *دراسات أثر مُسبقة*، وإلى تهيئة البنية التحتية من كهرباء وطرق وتمويل، وإلى مراجعة هيكل الجبايات قبل أن تُغلق منافذ الاستيراد.

لقد أثبتت الأيام أن الصناعة لا تُبنى بقرار إداري فوقي، بل تُبنى بسياسات متكاملة تبدأ من توفير الطاقة وتنتهي بتحفيز المنتج. وأثبت بشير جموعة أن رأس المال الوطني حين يقترن بالرؤية، يصبح بوصلة تنذر بالعواصف قبل هبوبها.

اليوم، والبلاد تئن تحت وطأة الغلاء، لا نحتاج إلى قرارات جديدة متعجلة، بل إلى *مراجعة شجاعة* للقرارات السابقة، وإلى شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، لا يُستبعد فيها صوت الخبرة لصالح صدى الشعارات. فالمواطن الذي اكتوى بنار الأسعار، أحق بأن تُصاغ السياسات من أجله، لا على حسابه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى