
لم تكن “صافرة التغيير” التي أطلقها الدكتور حسن عبد الله برقو صباح السبت، مجرد إعلان عن مشاريع إسمنت وحديد. كانت نفيراً في برية اليأس، ويداً تمتد لتنتشل حلماً سودانياً من تحت ركام الحرب. برقو صنع الحدث، لا بنقل خبر، بل بخلق خبر.
حين قرر الرجل أن يغير اسم “المدينة الرياضية” إلى “المدينة العالمية الأولمبية”، لم يغير لافتة على بوابة، بل غير قدراً. كأنما أراد أن يقول: كفانا تواضعاً في الأحلام. مدننا لن تكون رياضية فحسب، بل عالمية، أولمبية، تليق بشعب علّم الدنيا كيف يُبنى المجد من العدم.
خمسة ملاعب بمواصفات “فيفا” في أقاليم السودان… يا لها من عبارة تشبه قصيدة. فالملعب في زمن الحرب ليس مستطيلاً أخضر، بل مساحة للنجاة. حيث يركض الطفل هارباً من ذاكرة القصف إلى ذاكرة الهدف. حيث يصرخ الجمهور فرحاً بدل أن يصرخ فزعاً.
تشكيل ست لجان متخصصة ليس قراراً إدارياً بارداً. هو إعلان أن زمن الارتجال قد ولى، وأن “المتابعة الميدانية” تعني أن المسؤول سيتعرق في الموقع كما يتعرق اللاعب في الميدان. وأن “قبل 30 ديسمبر” ليس تاريخاً على ورق، بل وعد معلق في رقبة وطن ينتظر أن يرى شيئاً يكتمل.
تغيير اسم “قصر الشباب والأطفال” إلى “القصر الدولي للأنشطة الشبابية” هو أيضاً انتشال للمصطلح من المحلية إلى العالمية. كأن برقو يقول لشبابنا: أنتم لستم مجرد “أطفال” في قصر، أنتم فاعلون في مسرح دولي، ومشروعكم أكبر من جدران الحي.
قد يقول قائل: أفي زمن الجراح نتحدث عن الملاعب؟ نقول: نعم، وفي زمن الجراح تحديداً. فالأمم لا تنهض بالخبز وحده، بل بالأمل. وما الرياضة إلا استعادة للياقة وطن، وإعادة تأهيل لروح شعب قبل أن تكون تأهيلاً لمنشأة.
برقو لم يطلق صافرة بداية مباراة، بل صافرة بداية تعافٍ. حين تعود الرياضة لتوقظ الحياة، تعود معها الموسيقى للمدن، والضحكة للشوارع، والحلم للعيون. من الخراب إلى الأولمب… المسافة تبدو بعيدة، لكن الحدث قد صُنع، والخطوة الأولى دائماً ما تكون باسم جديد، وحلم أكبر، وموعد لا يقبل التأجيل: 30 ديسمبر.




