
في أم درمان لا تزال المدينة العتيقة تكتب فصلاً قاسياً من فصول العطش إلى النور. ارتفعت تعرفة الكهرباء في صمت كطاعنٍ في الظهر. زادت أكثر من سبعين في المئة ولم يقرع أحد طبول الإعلان. فصار المواطن يشتري العتمة بسعر الضياء ويدفع ثمن الغياب كما يدفع ثمن الحضور.
الأزقة في أم درمان القديمة وأحياء الثورات وأمبدة تئن تحت وطأة الهجير. الساعات تمضي ثقيلة والبيوت تتحول إلى أفران صامتة. الأطفال يتهدجون بالبكاء والمرضى يصارعون الوهن والأجهزة تختنق والمياه تنقطع لأن الطلمبات عطشى للتيار. يقف المرء في بيته حائراً بين فاتورة تنهش جيبه وظلام ينهش روحه.
أي عدالة هذه. يدفع الرجل سبعة آلاف جنيه ليشتري مئة كيلوواط كانت بالأمس بأربعة آلاف. ثم لا ينال منها إلا شذرات من نور تتسلل كزائر خجول وتمضي مسرعة. أين تمضي الزيادة إذا كان القطع هو الملك المتوج على رؤوس الأحياء. أي معادلة تلك التي تجعل الثمن يصعد والخدمة تهوي.
الجهات التي بيدها المفتاح لاذت بالصمت. لا بيان يبل الظمأ ولا خطة تمنح الأمل. كأن المدينة تُركت لتتدبر أمرها مع العتمة وحدها. وقد ملّ الناس الوعود الجوفاء وسئموا التبرير. ما عادوا يطلبون المعجزات. كل ما يرجونه مروحة تدور في وجه الهجير وثلاجة تحفظ دواءً لشيخ مريض وليلٌ يمر دون أن يوقظه العرق والبعوض والاختناق.
أم درمان التي واجهت الموت ولم تنكسر تدفع اليوم ضريبتين. ضريبة الحرب وضريبة الكهرباء. تدفع ثمن صمودها وثمن صبرها. لكن الصبر كالخيط إذا اشتد انقطع. فإلى متى تبقى هذه المدينة الحرة هي الحلقة التي تُعصر كلما ضاقت الدائرة.
يا من تملكون القرار في وزارة الطاقة والشركة السودانية للكهرباء. إن الزيادة دون ضوء جور. والصمت على وجع الناس جور أشد. اخرجوا إلى الناس بوجه الحقيقة. قولوا لهم أين الخلل ومتى الفرج. فالناس لا تسألكم المستحيل. تسألكم حقها في تيار لا يخون وفي سعر لا يذبح.
أم درمان لا يليق بها أن تبات في الظلام وقد دفعت ثمن النور مضاعفاً. الكهرباء في هذا الصيف اللاهب ليست زينة ولا ترفاً. الكهرباء وريد حياة.



