
في زمن اصطُلح فيه على أن الحرب تُفرّق والحدود تُباعد، ينهض رجالٌ يجعلون من أخلاقهم جواز سفر، ومن مجالسهم وطناً يتسع للجميع. رجلٌ إذا ذكرته، ابتسم كل سوداني، وردد بقلب ممتن: “أبو سعيد.. حبيب الشعب السوداني”.
هو فرج بن سعيد بن صميخ المري، القطري المولد، العربي الروح، الإنساني المقام. رجلٌ اختار أن يكون الخيرُ صوته، والصمتُ عباءته. يعمل من خلف الكواليس، فلا كاميرا تتبعه، ولا منبر يطلبه. يؤمن أن اليد العليا لا تحتاج إلى تصفيق، وأن الكرامة تُصان حين يُقدَّم العطاء بلا ضجيج.
ما سر هذا الحب الجارف الذي يكنّه له السودانيون؟ السر في “القلب”. قلبٌ وُسِّع فاتسع لآلام الغريب قبل القريب، ويدٌ بُسطت فكانت سنداً للمحتاج قبل أن يسأل. أبو سعيد لا يعرف السوداني بوثيقته، بل يعرفه بابتسامته، وبحيائه، وبكبريائه حين تضيق به الدنيا. لذلك صار مجلسه قبلةً لكل مقيم، وملاذاً لكل منكسر.
مجلسه عامر، لا يُغلق بابه. مجلسٌ تعانقت فيه اللهجات، وذابت فيه الفوارق. فيه يجلس السوداني إلى جوار اليمني والمصري والهندي، والكل سواء في ميزان التقدير. تدخل مهموماً فتخرج مجبور الخاطر. يسمعك، ويُشعرك أنك “طويل العمر” وإن قصرت بك الأيام. عبارته التي صارت وساماً على صدور من عرفوه: “يا طويل العمر”. يقولها للكبير فيوقره، وللصغير فيُكبره، وللمكسور فيجبره. كلمةٌ صغيرة، لكنها ترمم أرواحاً.
أما حبه للسودان وأهله، فحكايةٌ أخرى. حبٌ لا يُفسَّر بالمنطق، بل يُحَس بالوجدان. تراه في كرمه الفياض حين يذكر السودانيين، في إجلاله لكبيرهم، وعطفه على صغيرهم، وفرحه بنجاحهم، ومواساته في مصابهم. كأن بينه وبين النيل عهداً قديماً، وكأن ملامح أهل السودان مرسومة في ذاكرته منذ الأزل. لم يكن كرمه مالاً فقط، بل كان كلمة طيبة، وسؤالاً عن الحال، ودعاءً صادقاً، وسعياً في حاجة أرملة أو علاج مريض أو تفريج كربة مغترب تقطعت به السبل.
أبو سعيد لم يرث هذا الخُلق من فراغ. هو امتدادٌ لمجلس أبيه العامر، المدرسة الأولى في المروءة. المجلس الذي تربى فيه على أن “الضيف أسير المُضيف”، وأن “الجار قبل الدار”، وأن قيمة الرجل بما يُعطي لا بما يملك. فشبّ على هذه السجايا، وصارت فيه سليقة لا تكلفاً. لذلك، فإن من جالسه لمس أن الكرم عنده ليس فعلاً، بل هوية. وأن الإنسانية ليست شعاراً، بل طريقة عيش.
في زمن طغت فيه المادة، يذكّرنا أبو سعيد أن رأس المال الحقيقي هو محبة الناس. وأن الغنى ليس في كثرة الدرهم، بل في كثرة من يدعون لك بظهر الغيب. قدم للسودانيين ما عجزت عنه السفارات أحياناً: الإحساس بالأهل. كان لهم الأخ حين بعد الأخ، والسند حين مال الزمن.
إن كان للوفاء عنوان، فهو رجلٌ قطريٌ يُنادى في مجالس السودانيين بـ”حبيب الشعب”. وإن كان للإنسانية وجه، فهو وجه فرج بن سعيد المري وهو يبتسم ويقول للجميع: “يا طويل العمر”.
هؤلاء هم من يحفظون وشائج الأمة، ويُرممون ما تُحدثه السياسة من شروخ. بسجية، وطيب معشر، ويدٍ لا تُمنّن. فسلامٌ على أبي سعيد في مجلسه العامر، وسلامٌ على قلبٍ جعل من الغربة وطناً، ومن الغريب أخاً.
فبأمثاله، تبقى الأمة بخير، ويبقى الخير حياً لا يموت.




