الرياضة

حسن برقو.. حين يصير العشق لكرة القدم مشروعاً للوطن رئيس لجنة المنتخبات الوطنية السابق الذي جعل الحلم ممكناً رغم شح الإمكان

تقرير - معاوية السقا

في ميدانٍ لا يعترف إلا بالنتائج، ولا يرحم من يتعثر، برز اسم حسن برقو لا كلاعب يراوغ، ولا كمدرب يخطط، بل كرجلٍ آمن أن كرة القدم السودانية تستحق أن تحلم، وأن الحلم يحتاج من يحرسه. تسلم لجنة المنتخبات الوطنية في زمنٍ كانت فيه الأماني معلقة على حبالٍ بالية، والخزائن خاوية، والملاعب تشكو العطش قبل الجماهير.

لم يأتِ حسن برقو من عباءة المناصب التقليدية، بل جاء من المدرجات. جاء مشبعاً بعشق الناس للكرة، مدركاً أن المنتخب ليس أحد عشر لاعباً يجرون خلف جلدٍ مدور، بل هو علمٌ يرفرف، ونشيدٌ يُبكي، وفرحٌ يجمع شتات وطن ممزق. لهذا، لم يتعامل مع المنصب ككرسي، بل كعبء. ولم يره وجاهة، بل مسؤولية أمام ملايين تنتظر أن تفرح.

ما ميز عهد برقو أنه أعاد للمنتخب هيبته قبل أن يبحث عن نتائجه. أعاد الانضباط حين استسهل البعض الفوضى، وفرض الاحترام حين صار الشعار مستباحاً. أدخل مفاهيم الاحتراف في بيئة هواة، واستقدم الخبرات الأجنبية حين كان الحل الأسهل هو المجاملة. اختلف معه كثيرون، واتفقوا على شيء واحد: أنه كان يريد أن يرى السودان في المقدمة، ولو كلفه ذلك خصومة القريب والبعيد.

في عهده تحركت المياه الراكدة. عسكرت المنتخبات في أفضل الظروف المتاحة، وارتدى اللاعبون شعار الوطن وهم يشعرون أن خلفهم من يقاتل لأجلهم. تأهل صقور الجديان إلى نهائيات الكان بعد غياب، وعادت الجماهير تملأ الاستادات لا طمعاً في فوز مضمون، بل إيماناً بأن هناك من يحترم شغفها. لم تكن النتائج كلها كما يشتهي، لكن الروح كانت قد عادت.

كان حسن برقو يؤمن أن الأزمة ليست في اللاعب السوداني، بل في البيئة التي تقتل موهبته. لذا حارب من أجل المعسكرات الخارجية، ومن أجل المباريات الودية القوية، ومن أجل أن يعامل لاعب المنتخب كما يُعامل السفير. وكان يردد أن كرة القدم لم تعد لعبة، بل صناعة، وأن من لا يملك مشروعاً، سيظل يتسول النتائج.

لم يسلم الرجل من السهام. ففي بلادنا، كل من يعمل يُنتقد، وكل من يصمت يُنسى. اتُهم بالمغامرة، وبالصرف، وبالاستعجال. لكنه مضى، لأن الذي يرى القمة لا يلتفت إلى الحفر الصغيرة. وحين غادر موقعه، ترك إرثاً من الجدل، لكنه ترك أيضاً إرثاً من العمل. ترك لاعبين آمنوا بأنفسهم، وجماهير استعادت حقها في الحلم، ومنظومة فهمت أن الطريق إلى المجد لا يُعبد بالكلام.

إن الرياضة في السودان تحتاج إلى مجانين بحبها، ومؤمنين بقدرتها على التغيير. وحسن برقو كان واحداً من هؤلاء. لم يدّعِ الكمال، ولم يقل إنه يملك كل الحلول. لكنه قال إنه سيحاول، وحاول. في زمن التراجع، تقدم. وفي زمن الصمت، تكلم. وفي زمن الانكسار، راهن على الانتصار.

سيكتب التاريخ أن رجلاً جاء في لحظة عتمة، وأشعل شمعة في طريق المنتخبات الوطنية. قد تكون الشمعة انطفأت برحيله، لكنها أضاءت الطريق لمن يأتي بعده. وعلمتنا أن كرة القدم السودانية لا ينقصها الموهوبون، بل ينقصها من يؤمن بهم، ويقاتل من أجلهم، ويحميهم من عبث العابثين.

حسن برقو ليس مجرد اسم في سجل رؤساء لجنة المنتخبات. هو فصلٌ في كتاب المحاولة. والمحاولة، في وطنٍ أدمن اليأس، هي نصف البطولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى