مقالات

مسارب الضي | د. محمد تبيدي -حين تتحول المعارضة إلى إسفاف بلغة السفيه الحمدابي كما يحلو للانصرافي … ومعركة الكرامة بين الدولة والشتيمة

وعلى حد قولي:
ليس الموقفُ ما يُقاس بالصوت العالي
ولا الوطنيةُ سبابُ خصومٍ وخيالِ
الوطنُ فعلٌ ساعة الشدائد
والسقوطُ يبدأ حين يغيب الرجال
ونحن حضوراً وفي الوطن لا نقبل الجدال

ما كتبه السفيه الحامدابي ليس رأياً سياسياً، ولا نقداً مشروعاً، ولا حتى معارضة بالمعنى المتعارف عليه، بل هو نموذج فج لانحدار الخطاب العام حين ينفصل عن العقل، ويتحول إلى شتيمة متدحرجة بلا فكرة ولا مسؤولية. نحن هنا لا نناقش اختلافاً في المواقف، بل نواجه نصاً قرر صاحبه أن يستبدل الحجة بالسباب، والتحليل بالسخرية الرخيصة، والوقائع بالإيحاءات السوقية.
القضية ليست في الدفاع الأعمى عن شخص الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ولا في شيطنة حمدوك أو غيره، وإنما في إعادة الأمور إلى نصابها هناك دولة واجهت تمرداً مسلحاً وجودياً، وهناك قائد عام تحمّل مسؤولية تاريخية في لحظة انهيار شامل، وهناك أقلام دخلت المعركة واخري قررت أن تقف خارج المعركة، لا بالنقد، بل بالاستهزاء.
القول إن البرهان فشل سياسياً أو خارجياً قول لا يسنده واقع. الرجل، رغم تعقيدات المشهد وضغوط الإقليم والمجتمع الدولي، ظل يمثل الدولة السودانية في المحافل الرسمية، وفي مقدمتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، متحدثاً باسم السودان لا باسم جماعة أو مليشيا أو مشروع خاص. الحفاظ على مقعد الدولة وشرعيتها في لحظة كانت فيها مليشيا آل دقلو تسعى لاختطاف اسم السودان وتمثيله بالمال والارتزاق ليس تفصيلاً صغيراً، بل معركة سيادة مكتملة الأركان.
من يتحدثون عن “العزلة” يتجاهلون عمداً السياق. السودان لم يكن معزولاً بقرار فرد، بل محاصَراً بتشابكات إقليمية ودولية، وابتزاز سياسي، وضغوط ممنهجة لتفكيك الجيش وإعادة هندسة الدولة. في هذا السياق، مجرد صمود الدولة، واستمرار الاعتراف بها، وإفشال محاولات شرعنة المليشيا، هو نجاح سياسي لا يريد البعض الاعتراف به.
ثم جاءت معركة الكرامة، لا كخيار سياسي، بل كفرض عين. ما حدث في 15 أبريل 2023 لم يكن خلافاً على سلطة ولا صراعاً على مناصب، بل تمرداً مسلحاً مكتمل الأركان، نفذته مليشيا مأجورة، مدعومة إقليمياً، استهدفت الدولة والمجتمع معاً. قتل، نهب، حرق، اغتصاب، تدمير للبنية التحتية، سرقة للمنازل، نهب للمصارف، تدنيس لدور العبادة الإسلامية والمسيحية، ولم يسلم من بطشهم لا الإنسان ولا الحيوان ولا الحجر.
في تلك اللحظة، لم يكن مطلوباً من القائد العام بيانات إنشائية ولا لغة ناعمة ترضي صالونات الخارج، بل قراراً عسكرياً يحمي ما تبقى من الوطن. هنا تُحسب للبرهان شجاعة القرار، لا تردده. إدارة أزمة وجود تختلف جذرياً عن إدارة أزمة حكم، ومن لا يفرّق بينهما إما جاهل أو متواطئ.
حنكة البرهان العسكرية في إدارة حرب الكرامة ليست مادة للاستهلاك الإعلامي، بل تجربة ستُدرّس لاحقاً في تاريخ الحروب غير المتماثلة. إعادة ترتيب القيادة، منع تفكك المؤسسة العسكرية، استيعاب الصدمة الأولى، ثم الانتقال من الدفاع إلى استعادة التوازن، كل ذلك جرى في ظل حصار سياسي وإعلامي واقتصادي خانق. أن تصمد الدولة، وأن تفشل المليشيا في حسم المعركة، فذلك ليس محض صدفة، بل نتاج إدارة واعية للمعركة على مستويات متعددة.
أما المقارنات التي يسوقها السفيه الحمدابي بين البرهان وبعض الشخصيات المدنية، فهي مقارنة مضللة وسطحية. السياسة لا تُقاس بعدد الدعوات ولا بصور الاستقبال في المطارات. من يذهب إلى العواصم ممثلاً لمشروع دولة يختلف جذرياً عمّن يطوف العواصم ممثلاً لمجموعات ضغط أو مصالح خاصة. الفرق هنا فرق مضمون، لا فرق بروتوكول.
وفي هذا السياق، يصبح الزج بأسماء وطنية محترمة مثل البروفيسور كامل إدريس والأستاذ خالد الإعيسر نوعاً من الإسفاف المقصود. هؤلاء لم يأتِ بهم البرهان، بل جاء بهم حسهم الوطني العالي. تركوا خلفهم مواقع مريحة، ومكانة دولية، ومصالح شخصية، ولبّوا نداء الوطن في لحظة مفصلية. هذا اختيار أخلاقي قبل أن يكون سياسياً.
الفارق شاسع بين من اختار أن يقف مع الدولة في لحظة خطر، ومن اختار أن يتحول إلى بوق لمليشيا آل دقلو المتمردة، أو إلى أداة في يد كفيل إقليمي معروف، اسمه محمد بن زايد، موّل الخراب وسعى لتمزيق السودان خدمة لأجندته. هنا لا مجال للحياد الزائف إما دولة، أو مليشيا.
الخطير في خطاب السفيه الحمدابي أنه لا يكتفي بالنقد، بل يحتفي بالشماتة، ويسخر من أي فعل جماهيري لا يوافق هواه، ويشيطن كل من اختار الاصطفاف مع الجيش والدولة. هذا خطاب إقصائي، لا يختلف في جوهره عن خطاب المليشيا نفسها، لأنه ينزع عن الناس حقهم في الاختيار، ويدّعي احتكار الحقيقة.
ثم تأتي اللغة. لغة لا علاقة لها الوطن ولا بالتحليل. ألفاظ ساقطة، إيحاءات مبتذلة، واستدعاء متعمد لأدنى مستويات الخطاب العام. هذه ليست جرأة، بل فقر فكري وأخلاقي. الجرأة أن تقول الحقيقة بوضوح ومسؤولية، لا أن تختبئ خلف قناع الوقاحة.
نحن لا نقدّس أشخاصاً، ولا نزعم عصمة قادة، لكننا نرفض تحويل معركة وطن إلى مادة للضحك الرخيص. السودان لا يحتاج إلى مهرجين سياسيين، بل إلى خطاب عقلاني، صلب، يحدد الأخطاء، ويعترف بالإنجازات، ويضع مصلحة الوطن فوق الأحقاد الشخصية.
من يكتب للناس عليه أن يحترم عقولهم. الغضب مفهوم، بل مشروع، لكن تحويله إلى نص سوقي لا يخدم إلا صاحبه. أما الوطن، فلا يكسب شيئاً من هذا الصراخ.
إن أخطر ما في مثل هذه الكتابات أنها تساهم في تسطيح الوعي العام، وتغذية الاستقطاب الأعمى، وتحويل السياسة إلى حلبة شتائم. وفي بلد مثخن بالجراح، آخر ما نحتاجه هو مزيد من الانحطاط اللفظي.
ختاماً، معركة الكرامة ليست معركة البرهان وحده، بل معركة دولة في مواجهة مشروع تدمير. ومن يختار الوقوف ضد الدولة في هذه اللحظة، بالتحريض أو السخرية أو التواطؤ، سيُسجَّل موقفه في التاريخ، لا كما يراه هو، بل كما تراه الوقائع.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى