
ليس من العدل، ولا من النزاهة الفكرية، أن تُلقى التهم في الفضاء العام ثم يُطلب من الناس تصديقها باسم “الوعي”. مقال «الوضوح طريق النجاة… والغموض بداية الكارثة» لم يقدّم واقعة واحدة مكتملة الأركان، بل اعتمد على إيحاءات لغوية، ومخاوف عامة، ومحاولة ربطٍ قسري بين أشخاص وتجارب لا جامع بينها سوى الرغبة في التشكيك.
إن استدعاء اسم شيخ الأمين في سياق الريبة دون دليل موثق، هو افتئات على الحقيقة قبل أن يكون اختلافاً في الرأي. فالرجل، بشهادة الواقع لا العاطفة، لم يظهر في سجل الفتنة، ولا ارتبط اسمه بمليشيا، ولا دعا إلى عنف، ولا حرّض على انقسام. بل كان حضوره، في أكثر الفترات قسوة، حضوراً اجتماعياً إنسانياً، يفتح بابه للناس دون تمييز، ويقدّم ما استطاع في زمن عزّ فيه العطاء.
شيخ الأمين لم يدّع العصمة، ولم يطلب من الناس تقديسه، ولم ينصّب نفسه زعيماً سياسياً أو قائداً ميدانياً. هو رجل اختار طريق الخدمة العامة، واستثمر في ما يملكه من قبول اجتماعي لتخفيف وطأة الخوف والجوع، لا لتجييش أو استقطاب. ومن لم يعجبه أسلوبه، فذلك حقه، لكن تحويل الذائقة الشخصية إلى تهمة أخلاقية هو سقوط في ميزان النقد.
أما الحديث عن التصوف، فهو حديث يحتاج إلى معرفة لا إلى انطباع. فالتصوف السوداني لم يكن يوماً قالباً واحداً ولا ممارسة جامدة. فيه الذكر، وفيه المديح، وفيه الاجتماع، وفيه الفرح المشروع. ومن يختزل هذا الإرث العميق في صورة نمطية ضيقة، إنما يُدين جهله لا غيره.
القول إن الناس في زمن الحرب كانوا يبحثون عن الأمان لا عن المجالس، قول صحيح في عمومه، لكنه لا ينفي أن الأمان أحياناً يُصنع بالاجتماع، وبكسر العزلة، وبإحياء الروح المنهكة. كثيرون وجدوا في تلك الدار ملاذاً نفسياً قبل أن يكون مادياً، وهذا في حد ذاته عمل يُحسب لا يُدان.
إن أخطر ما في المقال محل الرد، أنه استبدل المحاسبة بالتحريض، والنقد بالغمز، والحرص الوطني بسوء الظن. فالوضوح الذي نريده ليس وضوح الاتهام، بل وضوح الدليل. ومن لا يملك الدليل، فليحترم صمت الحقيقة.
شيخ الأمين، بما له وما عليه، يظل نموذجاً لرجل لم يساوم على دم، ولم يبع وطناً، ولم يتخذ من الفوضى سلّماً. وهذا وحده كافٍ لردّ التهم حتى يثبت العكس.


