مقالات

معاوية السقا يكتب “مدارس الملك فهد.. عندما يصبح التفوق عادة”

في زمنٍ صار فيه التميز خبراً نادراً، تأتي مدارسٌ لتجعله خبراً يومياً. وفي زمنٍ صار فيه النجاح حظاً، تأتي مدارسٌ لتصنعه جهداً. تلك هي *مدارس الملك فهد الثانوية*.

ليست حجارة وأسمنت وصفوفاً مصطفة، بل هي ورشة لصناعة الإنسان. هنا لا يُدرّس العلم وحده، بل تُغرس القيم، وتُصقل المواهب، ويُربّى العقل على أن يسأل قبل أن يحفظ، وأن يفكر قبل أن يجيب.

وفي قلب هذه التجربة يقف رجلٌ آمن بأن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة. *الأستاذ بهاء الدين سيد أحمد*، مالك المدارس، لم يكتفِ بأن يبني مبنى، بل بنى منظومة. منظومة تؤمن أن الطالب ليس رقم جلوس، وأن المعلم ليس موظف حصص، وأن الإدارة ليست توقيع أوراق.

كان حضوره الأول في أن جعل للتفوق عنواناً دائماً. لا موسم له ولا نهاية. فحوّل المدرسة إلى بيتٍ لا ينام إلا بعد أن يطمئن أن كل طالب وجد سؤاله، وكل معلم وجد أدواته، وكل حصة خرجت بأثر.

أما المعلمون في الملك فهد فهم جنود هذا المشروع الصامت. لا يقفون أمام السبورة ليُلقوا درساً ثم يمضوا. يقفون ليزرعوا. يزرعون في الطالب ثقة، وفي عقله سؤالاً، وفي قلبه انتماءً. حوّلوا المنهج من سطور إلى حياة، ومن امتحان إلى مشروع عمر. فصار الطالب لا يدرس لينجح فقط، بل ليتفوق، ولا يتفوق ليأخذ درجة، بل ليصنع مستقبلاً.

وانعكس ذلك على الطلاب أنفسهم. وجوهٌ يافعة تحمل ملامح الجد، وعقولٌ ترفض أن تكون وعاءً للتلقين. تراهم في المعامل يبحثون عن إجابة، وفي المكتبة يفتشون عن سؤال جديد، وفي الساحات يتدربون على أن يكونوا قادة الغد. النبوغ عندهم لم يعد ومضة عابرة، بل صار سلوكاً يومياً. عادة الاستيقاظ باكراً للعلم، وعادة احترام الوقت، وعادة أن لا يرضى أحدهم لنفسه إلا بالأفضل.

وما بين إدارة ترى أبعد من الدرجات، ومعلمين يصنعون لا يلقنون، وطلابٍ لا يقبلون إلا القمة، ولدت هوية للمدرسة. هوية تقول إن الانضباط يمكن أن يكون ناعماً، وإن التربية يمكن أن تسبق التعليم، وإن التفوق حين يُدار بالحب يصبح عادة لا تحتاج إلى تذكير.

اليوم تخرج من مدارس الملك فهد أسماء تملأ كشوفات الأوائل، وتتصدر المسابقات، وتمضي إلى الجامعات مرفوعة الرأس. لكن الإنجاز الأكبر ليس في الشهادات. الإنجاز في خريجٍ يدخل الحياة وهو يحمل عقلاً منفتحاً وقلباً سليماً ويداً قادرة.

*مدارس الملك فهد الثانوية* بقيادة الأستاذ بهاء الدين سيد أحمد تذكرنا بحقيقة بسيطة: أن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بفصلٍ دراسيٍّ يُدار بإتقان، وبمعلمٍ يؤمن بتلاميذه، وبطالبٍ يصدق أن الغد له. حينها فقط.. يصبح التفوق عادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى